ثقافة وفن
خاطرة: متاهة الضوء والظل!

فيروز بوشيبة
كُنتُ أَمشي في دَهاليزِ العُمرِ كَمَن يَعبُرُ مَتاهةً مِن الضَّوءِ والظِّلِّ، فإذا بي أجدُ أمامي كتابًا مفتوحًا، بَياضُه كأُفُقٍ يَنتظِرُ مَن يَستَكشِفُه، وحروفُه غائبةٌ كأنّها تتوارى خَجَلًا مِن أن تُولَدَ بلا دَعوة. اقتربتُ، فإذا بقلمٍ أسودَ يلمعُ كجَناحِ غُرابٍ في فَجرٍ غائِم، يُحَدِّقُ بي وكأنّه يَعرِفُ أنّني وَحدي القادِرةُ على إنقاذِه مِن صَمتِه الطَّويل. هَمسَ القلمُ: «اكتُبي… لكِن لا تَكتُبي ما حَدَث، بل ما تَجرُئينَ على أن تَجعَليه يَحدُث.» تردَّدتُ. هَل أكتُبُ عن مَرارةِ أيّامي الَّتي تَتَثاقَلُ في صَدرِي، أَم أنسُجُ حُلمًا يَلمَعُ مِثلَ نَجمةٍ تُقاوِمُ غُيومًا كَثيفة؟ هَل أَجرُؤُ أن أَخونَ واقِعي كَي أُعطِيَ نَفسي فُرصَةً أُخرى، حياةً أبهى مِن تِلكَ الَّتي تَتَساقَطُ مِن بَينِ أَصابِعي كالرِّمال؟ أَغمَضتُ عَينيَّ، ورَأيتُني أكتُبُ: «في عالَمي الجديد، لا تُقاسُ القُلوبُ بِما نَزَفتْ مِن حُزن، بل بِما زَرَعَتْ مِن حُبّ. والطُّرُقاتُ لا تُفضي إلى نِهاياتٍ مُغلَقة، بل إلى بداياتٍ أُخرى تَنبُتُ مِثلَ زُهورٍ عَنيدةٍ في شُقوقِ الجُدران. هُنا، الغِيابُ لا يَبقى غِيابًا، بل يَتَحوَّلُ إلى موسيقى تُرافِقُ خُطواتي، وإلى ألوانٍ تَرسُمُ في سَمائي أَقواسًا مِن نور. هُنا، الوُجوهُ الَّتي غَدَرَتْ تَنطَفِئُ كَنُجومٍ بَعيدَة، أَمّا قَلبي فَيَتَعلَّمُ كَيفَ يُصيرُ مَجَرَّةً بِأكمَلِها.» كَتبتُ عنِّي، عن نَفسي الَّتي لم تَفقِدْ بَعدُ شَغَفَها، رُغمَ كُلِّ ما أَنهَكها. عن فَتاةٍ تُؤمِنُ أنَّ قَلبَها أَكبَرُ مِن جِراحِها، وأنَّ خُطواتِها، وإن تَعَثَّرَت، قادِرَةٌ على دَفعِها لِلأمام. كَتبتُ عن حُلمي بأن أَكونَ نَفسي كامِلَة، دونَ خَوفٍ ولا أَقنِعَة، أن أَقولَ ما أَشعُرُ به بلا تَردُّدٍ، وأن أَكونَ صادِقَةً حتّى مَع وُجعي. كَتبتُ عن طُموحاتي الَّتي تَتَّسِعُ كَسماءٍ لا حُدودَ لها. أن أَصنَعَ أَثَرًا، أن أَترُكَ في حَياةِ الآخَرينَ بَصمَةً لا تُمحى، وكأنَّني شَجرةٌ باسِقَةٌ تُظَلِّلُ مَن حَولَها وتُقاوِمُ الرِّياحَ بِجُذورٍ عَميقَة. تَحدَّثتُ عن رَغبَتي في أن أَفتَحَ أَبوابًا جَديدة، أن أَعبُرَ بُحورًا لم تُبحِرْ إليها سُفُني بَعدُ، وأَرى نَفسي حَيثُ لم أَصِلْ يَومًا، أن أَرتَقيَ إلى قِمَمٍ تَليقُ بِروحي. كُلُّ سَطرٍ كُنتُ أُخطُّه كان يُحرِّرُني أَكثَر، كان يُذكِّرُني أنَّني لَستُ مُجرَّدَ عابِرةٍ في كِتابِ الحَياة، بل الكاتِبَة، الرّاسِمَة، والخالِقَةُ لِقِصَّتي. وعِندَما انتَهَيتُ، وَجَدتُ أنَّ الكِتابَ لم يَعد أَبيَضَ صامِتًا، بل صارَ مِرآةً لأَحلامي، خَريطَةً لِطُموحاتي، وصَوتًا لِنَفسي الَّتي اختارَت أن تُعلِنَ حُضورَها بلا خَوف. رَفَعتُ رَأسي نَحوَ السَّماءِ، وأَدرَكتُ أنَّني لا أَكتُبُ فَحَسْب… بل أَبدَأُ حياةً جَديدة، حياةً تُشبِهُني.





رائعة مزيدا من التألق والابداع والتميز
قلم مبشر بأديبة متألقة..بالتوفيق
بداية موفقة ومشوار حافل بإذن الله 💗