سياسة
14 لغما في الطريق

دكتور/ وليد عبد الحي
مع توقيع دونالد ترامب على مذكرة التفاهم مع ايران ، تكون المنطقة قد دخلت مرحلة جديدة تتسم ملامحها الرئيسية في الآتي:
1- طي المراهنة الامريكية الإسرائيلية العربية على “اسقاط النظام الإيراني” في المدى الزمني القريب ، لقد وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل في غواية النمط العربي، ففي العالم العربي يتغير النظام تغيرا كليا إذا سقط “رب النظام”، اما في ايران قُتل المرشد ورؤساء جمهورية وقادة عسكريون وامنيون ونخبة العلماء ، لكن وجود ” بنية نظامية” ساهم في تكيف إيراني سريع وامتصاص التغيرات ،بل واتساع القاعدة الشعبية للنظام.
2- لم تعد ايران لاعبا طارئا في الشرق الأوسط، بل تمكنت ايران من تحقيق ما ورد في خطتها (ايران 2025-Iran Vision ) والتي أعدتها عام 2005، والتي تتضمن السعي لأن تكون ايران ” القطب الإقليمي الشرق اوسطي” والذي سيسعى لتعزيز مركزيته بالتدريج.
3- قدمت ايران درسا للمعارضات العربية ،فمعارضة النظام- المعارضة السياسية غير المسلحة – لا تمتد الى معارضة الوجود السياسي للكيان التاريخي ، فلم نسمع عن هروب جندي إيراني او عنصر حرس ثوري كما جرى في دول ربيعٍ كل وروده صناعية، وها هو خاتمي ابرز قادة التيار الإصلاحي المعارض ،واليساريون، وكبار كتاب المعارضة يقفون نفس الموقف .
لكن ما سبق يستوجب الحذر من اطلاق استنتاجات متسرعة، فمذكرة التفاهم التي تم توقيعها بين أمريكا وايران تنطوي على غموض واحتمالات لا حصر لها، وهو ما نجده في كل بند من بنودها ال14، وهو ما يتضح في الآتي:
1- تنص المادة الأولى على : “الانهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما في ذلك لبنان”، وهنا هل يشمل هذا النص إسرائيل؟ فهي ليست طرفا في التوقيع، وما معنى “جميع الجبهات” ،فهل هذا يشمل قطاع غزة الذي يتم القصف المدفعي والمسيراتي والاغتيالات فيه يوميا ؟ فالقتال مع اليمن متوقف ،ومع الحشد الشعبي شبه منتهٍ، والتخصيص للبنان لا يتضح نطاقه ، وسنرى- كما نرى الآن- استمرارا للعمليات الإسرائيلية في لبنان وغزة بأشكال متجددة وأعذار لا تعجز إسرائيل عن خلقها، ولها في ذلك عذر جاهز وهو “لسنا طرفا في الاتفاق”.
2- المادة الثانية تؤكد على “الاحترام المتبادل للسيادة”، وهو في تقديري طعنة غائرة للمعارضة الإيرانية السرية كجماعة مريم رجوي واتباع ابن الشاه ، ولكن الأهم هي طعنة للأكراد الإيرانيين (المتمركزين في كردستان العراق، وربما يطال الامر بعض المعارضة في إقليم بلوشستان)، غير ان الامر يستدعي التساؤل :ماذا لو ان المدد للمعارضة المسلحة الإيرانية جاء من حلفاء أمريكا في المنطقة؟ ما الموقف الأمريكي؟ وما رأي ايران، فقد تتستر الولايات المتحدة بغطاء عربي او غيره في دعم المعارضة الإيرانية المسلحة.
3- تحديد مدة التفاوض بشهرين “قابلة للتمديد”، ومدة التمديد هنا غير محددة ولا عدد مراتها، فقد تطول المفاوضات حتى نهاية فترة ترامب ، ويكفي ان نشير الى ان مفاوضات أمريكا مع فيتنام استغرقت خمس سنوات(1968-1973)، والمفاوضات النووية بين ايران وامريكا التي تم التوقيع عليها باتفاق 2015 ،استغرقت عشرين شهرا.. الخ، وهو ما يعني ان عدم تحديد عدد مرات التمديد وطولها ،يترك الباب مفتوحا للطرف الذي يرى ضرورة للمماطلة.
4- تبدأ الولايات المتحدة برفع الحصار البحري عن ايران فور التوقيع على ان يرفع بالكامل خلال ثلاثين يوما، لكن ذلك لا يوضح ماذا لو جرى خلاف على اية نقطة من البنود ال 14 الأخرى، هل هذا يعطي الولايات المتحدة الحق في التأني في رفع الحصار، لا أرى النص كافيا للاستنتاج بل تم تركه مفتوحا كباب للهرب إذا اقتضى الامر ذلك.
5- تبذل ايران “اقصى جهودها” لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، وهنا من يحدد ان ما يجري هو “اقصى جهود ايران” ؟ ،ثم عبارة السفن التجارية بالتحديد هل هو تأكيد غير مباشر لمبدأ المرور البريء وتجاوز المرور العابر في القانون الدولي ؟ ثم هل المرور سيكون مدفوع الثمن من خلال “رسوم( (Tolls يتم دفعها مقابل السماح بالمرور ،أو خدمات ” مثل خدمات الارشاد البحري او قطر السفن (- (Tugboats – Pilotage؟، فهذان امران مختلفان.
6- تلتزم أمريكا “وشركاؤها الاقليميون والدوليون” بوضع خطة لإعمار ايران لا تقل قيمتها عن 300 مليار دولار، وهنا ما مدى الزامية الشركاء للولايات المتحدة بالمساهمة؟ ثم من هم هؤلاء الشركاء “هل إسرائيل من ضمنهم؟ ثم الدوليون ..من هُم؟، وهل هذه الصياغة هي في مضمونها ” إشارة مؤدبة لدول مجلس التعاون الخليجي”؟ وهنا تكون دول الخليج كالنادل الذي يدفع هو البقشيش للزبون.، ثم ما نصيب هؤلاء الخليجيين من دفع ال 300 مليار على الأقل..
7- ترفع الولايات المتحدة العقوبات (الأولية والثانوية) عن ايران وفق جدول زمني يتفق عليه الطرفان، واعتقد ان جدول رفع العقوبات سيعرف خلافات واسعة حول ترتيب بنود رفع العقوبات حسب الميدان ،ما هو أولا وما هو ثانيا.. الخ، ثم ما ضمانات عدم المماطلة في المواعيد ؟
8- التزام ايران بعدم السعي لامتلاك او تطوير أسلحة نووية وتوافق على تخصيب مخزونها من المواد المخصصة تحت اشراف وكالة الطاقة النووية، وهنا نسأل: اين سيتم التخصيب؟ في ايران ام خارجها؟ ثم ماذا لو تعاونت ايران في برنامجها النووي مع دولة أخرى على غرار ما كان يجري من تعاون نووي بين إسرائيل وجنوب افريقيا زمن نظام الفصل العنصري؟ ثم ما هي مستويات التخصيب النووي المقبولة؟ ومن الضروري هنا الإشارة الى ان الوكالة الدولية لا تضع من الناحية الفنية ” مستويات تخصيب مقبولة وأخرى غير مقبولة”، فهي جهة رقابية لما يتم الاتفاق عليه بين الدول الأعضاء على مستوى معين من التخصيب، وهنا وطبقا لخبراء الميدان ،فان الانتقال من اليورانيوم الطبيعي(0.7%) الى مستوى 20% هو الخطوة التي تأخذ اكبر جهد تقني للتخصيب، بينما الانتقال من 60-90 اسرع واسهل تقنيا وزمنيا، لذلك يعد مستوى 60% هو “عتبة السلاح النووي، ثم ان المفتشين يعملون على التحقق من عدم تحويل المواد الى اغراض عسكرية ،وهو امر في غاية التعقيد لإثباته، وهو ما يعني ان 20% مقبول بشرط ان لا يكون مقدمة لمرحلة عسكرته…وهو امر قابل للتأويل في كل مشروع من المشاريع في البنية التحتية النووية.
9- يمتنع الطرفان عن اتخاذ خطوات تقود الى “تغيير الواقع القائم”، وهنا ما هي المرجعية التي ستحدد ان خطوة ما تمثل تغييرا للواقع؟ وما معايير تحديد هذه الخطوات؟
10- تلتزم الولايات المتحدة بعدم فرض عقوبات جديدة او خطوات تصعيدية خلال التفاوض، وهنا نعود للسؤال :من هي المرجعية التي سنعود لها لتحديد هل الخطوة تصعيدية ام لا ؟ ثم ما معيار تحديد ان الخطوة تصعيدية ؟
11- تفرج الولايات المتحدة تدريجيا عن الأصول الإيرانية المجمدة ،وتصدر إعفاءات لاستئناف تصدير النفط وللخدمات المصرفية المرتبطة بذلك، وهنا نسال :كم قيمة او نسبة الاعفاء عند كل خطوة، كم الفارق الزمني بين مراحل الاعفاء ، هل يحق لإيران المطالبة بفوائد عن الأموال المجمدة منذ سنوات طويلة؟
12- انشاء جهاز او لجنة رقابية لمراقبة مدى التزام الطرفين بالمذكرة، وهنا هل تم الاتفاق على عضوية هذه اللجنة، وصلاحياتها ؟
13- يحال الاتفاق النهائي الى مجلس الامن لكي يصبح ذا شرعية دولية ، ولكن ماذا لو فشل الأطراف في الاتفاق؟ وهو احتمال وارد؟ او هل يتم عرض ما تم الاتفاق عليه وترك الباقي للتفاوض؟
14- المفاوضات النهائية تركز على ” الملف النووي، آليات رفع العقوبات، وخطة إعمار إيران”.. وماذا عن موضوعات الإقليم التي انتجت كل ذلك ؟ هل لن تكون موضع تركيز؟
ويبقى أسئلة كثيرة: من اين سنبدأ التنفيذ؟ وهل مدة 60 يوما تكفي لمعالجة كل ذلك؟ وماذا لو قامت إسرائيل –كطرف لا علاقة قانونية له بالاتفاق او المذكرة- بعمل عسكري في جبهة من بين ” جميع الجبهات” ؟ من سيلزم إسرائيل؟




