ثقافة وفن

وظائف الشعر

        نورالدين مبخوتي – تلمسان

يؤكد اليوم الكثير من المهتمين بشؤون الشعر العربي وقضاياه  شحوب هذا المشهد الذي  يعيش حالة مأزق خانقة سواء على مستوى الممارسة الإبداعية  الفعالية مع استثناءات قليلة أو على مستوى تلقي الخطاب الشعري وذلك لاعتبارات عدة منها مزاحمة أشكال فنية تعبيرية كجنس الرواية أو بصرية كالسينما وكل القوالب الفنية التي تنتصر للصورة والعجيب أن الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر انتبه في مشروعه الفلسفي إلى مخاطر التقنية وتأثيرها السلبي على الحياة البشرية فقد شيأت الإنسان وجففت روحانياته وفرضت عليه منطقها المادي الشرس لهذا رأى  أن الشعر هو الخلاص والملاذ لتلطيف صلابة الواقع واختراق كثافة الوجود  للإحساس بروعة الحياة . تأسيسا على الموقف الذي يعلي من سلطة الشعر فإننا سوف نحفر في المدونة التراثية الشعرية في شقيها الإبداعي والنقدي القديم والحديث لاستخلاص وظائف الشعر في مستوياتها المتعددة. ولتحقيق هذا الغرض فإن منهج البحث في الظاهرة يفترض علينا أن نفككك مصطلحات عنوان هذه الورقة ومفاهيمها الإجرائية. يرد مصطلح الشعر في الدرس النقدي والبلاغي القديم بدلالة أنه كلام موزون مقفى مع تنويعات فرعية لا تحقق انزياحا في بنية هذا التعريف المختزل لكن ومع ذلك يؤكد مكونا من مكونات الشعر ممثلا في عنصر الإيقاع وهو أحد مظاهر السحر والجمال والجلال في هذا الجنس الأدبي الذي تحدد مصادر الإلهام إلى قوى غيبية كالجن والشياطين والآلهات.

ولعل ميزة الإيقاع هذه هي التي سوف تجعل الشعر يؤدي خدمات جليلة لفن الموسيقى ويحافظ على الطبوع الموسيقية كالموشحات والحوزي والحوفي وغيرها. أما مصطلح الوظيفة بدلالته المعجمية والاصطلاحية فإنه يعني الخدمة.

تأسيسا على ما سبق يمكن رصد وظائف الشعر كما حددتها المنظومة البلاغية والنقدية العربية وفق التصورات التالية:

1 – الشعر في قلب المعركة: يشهد بذلك تاريخ الشعر العربي نفسه فقد تحمل الشاعر منذ العصر الجاهلي وظيفة الدفاع عن القبيلة وحرماتها وتجسد هذا الفعل بصيغة أخرى من خلال من خلال الدفاع عن العقيدة والدين مع انبثاق الدعوة المحمدية الشريفة ليتخذ الشعر منحى آخر من   خلال تلازم الشعر والسياسة في ظل صراعات الفرق الكلامية في العصر الأموي والعباسي من قبيل فصيلة الخوارج والشيعة والشعوبية. هذا البعد سوف يتبلور حديثا بشكل أعمق مع بروز نظرية الالتزام وفكرة القومية العربية وميلاد شعر المقاومة والشعر المنتصر للثورات جسدته جليا قصيدة الموقف وقصيدة الرفض وقصيدة الهجاء السياسي كما نلحظها مثلا عند نزار قباني ومظفر النواب وأمل دنقل على سبيل التمثيل لا الحصر.

2- الشعر مصدر المعرفة: الشعر العربي برمته، قديمه ومحدثه، عبر مساره التاريخي كان مصدر المعرفة فهو بمثابة السجل الذي احتوى كل تاريخ الأمة فقد وثق لها بأمانة في حالة سلمها وحروبها وصراعاتها وسائر أيامها مشيرا إلى أنسابها ومجمل القيم الأخلاقية السائدة لديها فالشعر من هذا المنظور كتاب دون لنا الحياة في سيرورتها التاريخية سواء ما تعلق بالعادات والتقاليد أو العمران.

3- الشعر أداة للتهذيب: هي وظيفة من وظائف الشعرية وهي تربوية بالأساس غرضها تقويم السلوك الإنساني وتقديم النصح والإرشاد هذه المهام كان يقوم بها شعر الزهد والحكم والخطابات الشعرية التي لها نفحات صوفية شديدة الارتباط بالروحانيات.

4- البعد التعليمي للشعر: كان وعاء لحفظ اللغة وكان يثبت في المتون النحوية والبلاغية والصرفية والعروضية كشواهد تدعم النظرية اللغوية وتفسرها وتجلي خفايا ومن هذا المنطلق كان الشعر هو المدار الذي تدور في فلكه الكثير من آليات تأويل وتفسير النص القرآني أو الحديث النبوي وتجربة عبد الله بن عباس خير شاهد على ذلك.

5- الوظيفة الجمالية: هي تأثيرية بالأساس غرضها التأثير في نفوس السامعين وغالبا ما لها بالطرب والغناء لكن هناك تجارب إبداعية بصرية في تراثنا كان هاجسها الإبداعي هو إمتاع العين وهنا يمكن أن نستحضر ظاهرة المشجرات وهي لوحات شعرية خطية كانت القصائد فيها تكتب على شكل شجرة أو في شكل أشكال هندسية كالمربعات والدوائر أو خاتم أو قلب وهكذا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى