وثائقيّ “444.. الوساطة الجزائرية”.. أزمة الرهائن…حينما كان الحلُّ جزائريًّا!

صالح عزوز
استطاع الأستاذ مراد عباس عبر الوثائقي 444 وساطة الجزائر أن يميط اللثام على دور الجزائر المحوري في أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في طهران، أزمة تمددت من سنة 1979 إلى 1981، والتي كان من أكثر الأزمات السياسية تعقيدا، حيث كشف الوثائقي، على أمر مهم، وهو تجاهل دور الدبلوماسية الجزائرية في حل الأزمة لأسباب غير معروفة، بالرغم من دورها الذي كان هو الحل، بفضل حنكة الوفد الجزائري الذي كان يتنقل بين الولايات المتحدة الأمريكية وطهران، على رأسه الصديق بن يحيى – رحمه الله-، أذابت الجليد بين الطرفين، وتوصلا في الأخير، إلى اتفاق إطلاق صراح الرهائن، بوساطة جزائرية صادقة وشجاعة.

سلط الفيلم الوثائقي الضوء، على زوايا عديدة للأزمة، وتفاصيل لم تكن معروفة عند عامة الناس، ليأتي هذا الفيلم للكشف عنها، من خلال شهادات الكثير ممن عايشوا القضية كلٌّ في منصبه، حتى ممّن كانوا من بين الرهائن، وهو ما يحسب للأستاذ “مراد أوعباس” الذي نقل هذه الحقائق من مصدرها – أمريكا وطهران – وصوّرت عدسته، ذكريات الأزمة من خلال ملامح ممّن عايشوها، نقل من خلالها انفعالاتهم، بين الدهشة والفرح، وبين من حنّ للجزائر بسبب ما عبّروا أنه “معجزة”، فلم يكن يعتقد الكثير من السياسيين والدبلوماسيين، وحتى الرؤساء، أن تكون الجزائر مفتاح الأزمة التي وصلت إلى أوجها.
الصدق والسرية التامة والحياد… تستحقُّ جائزة نوبل للسلام
كل من شاهد الفيلم الوثائقي، الذي عرض بحر هذا الأسبوع، على قنوات التلفزيون الجزائري، سوف يقف على أمر مشترك، بين كلّ من نقلت شهادتهم في هذه الأزمة، سواء الطرف الأمريكي أو الإيراني، وهو مهنية الوفد الجزائري الذي كان وسيط عدل وشرف، أظهر للعالم أجمع كفاءة ومصداقية الجزائر التي تبحث دائما عن حلّ النزاعات بعيدًا عن بؤر التوتر، وتُسارع إلى إطفاء النار، إن صح التعبير، قبل تمدُّدها بين الدول، لكن شحّ الإعلام في نقل هذه الحقيقة، منذ سنوات، لم يُظهر دور الجزائر خلال هذه الأزمة، ليأتي 444 وساطة الجزائر، ليعيد لها الاعتبار ويثمّن هذا الدور، الذي أظهر فعالية مدرسة الدبلوماسية في الجزائر، التي لا تزال تُقدّم الدروس للعالم إلى حدّ الساعة، وخير دليل، تموضعها في قلب القضية الفلسطينية اليوم، ووزنها في ترجيح الكفة لها في العديد من المناسبات. وتساءل كلُّ من نقل شهادته، لماذا لم يُتوّج الوفد الجزائري بجائزة نوبل للسلام، الفكرة التي بقيت مجرد فكرة، لم تر النور، لكن بدل هذا، قُزّم دور الجزائر في حلّ الأزمة.

كاميرا التصوير … بين الولايات المتحدة وإيران
كان من الواجب على المصوّر، التدقيق في تفاصيل ملامح من نقل الشهادات للعالم، لإبراز هذا الدور الفعال، حيث ثبت على تفاصيل الوجه والملامح، التي كانت صادقة بحقّ، لأنّها تقف على ذكريات مؤلمة أُعيد النبش فيها من جهة، على غرار الدبلوماسيين وممّن عاشوا اللّحظات العصيبة، والسعادة من جهة أخرى – الرهينة – الذي مازال يحمل حُبّه للجزائر، مند تلك السنوات، ويتحدث عنها كمن يريد القول، أنّه بفضل رجالها ما زلت على قيد الحياة، ومن جهة شعور الافتخار عند المتدخّلين الجزائريّين، الطبيب الذي وقف على الوضع الصحّي للرهائن الأمريكيّين في طهران، وكذا المُصوّر الذي نقل اللّحظات الأخيرة للرهائن ونزولهم في الجزائر، وكذا المحلّل السياسي، وهو شعور اجتمع بالتأكيد عند كلّ من شاهد الفيلم الوثائقي للأستاذ مراد أوعباس.
نقلت نهاية الفيلم الوثائقي، الفاجعة التي حرّكت العالم أجمع، وهي قتل الوفد الدبلوماسي الجزائري، وهو متجّه إلى فحص قضيّة معقّدة، وهي الحرب بين إيران والعراق، وكأنّ القدر أراد أن يكتب لهم الشهادة.




