من هرمز إلى بيروت… كيف تعيد إيران صياغة قواعد التفاوض مع أمريكا؟

بيروت: خاص
في خضمّ التصعيد الإقليمي الممتد من الخليج إلى لبنان، تكشف التصريحات الإيرانية الأخيرة عن تحوّل عميق في طبيعة التفاوض مع الولايات المتحدة، حيث لم يعد الملف النووي وحده مركز الاشتباك السياسي، بل بات جزءاً من معادلة أمنية وجيوسياسية أوسع تربط بين الحرب في لبنان، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والعقوبات الاقتصادية، والوجود الأميركي في المنطقة.
تصريحات رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، إبراهيم عزيزي، لم تكن مجرّد شروط تفاوضية تقنية، بل حملت ملامح عقيدة سياسية جديدة تشكّلت بعد الحرب الأخيرة، وتقوم على فكرة أنّ إيران خرجت من مرحلة “الدفاع عن النفس” إلى مرحلة “فرض قواعد الاشتباك الإقليمي”.
فحين يشترط عزيزي إنهاء الحرب على مختلف الجبهات، خصوصاً في لبنان، قبل أي تفاهم مع واشنطن، فإنّ طهران تعلن عملياً أنّ أي اتفاق مستقبلي لن يكون نسخة مكرّرة عن الاتفاق النووي لعام 2015، بل اتفاقاً متعدد الساحات، تُربط فيه الملفات العسكرية والأمنية والاقتصادية ضمن سلة واحدة. وهذا تطور بالغ الدلالة، لأن إيران كانت تاريخياً تفصل -ولو شكلياً- بين التفاوض النووي وبين ملفات النفوذ الإقليمي.
الأهم في تصريحات عزيزي أنّها تعكس إدراكاً إيرانياً بأنّ الحرب الأخيرة غيّرت موازين الردع في المنطقة. فقوله إن “إيران ما بعد الحرب تختلف عن إيران ما قبل الحرب” يحمل رسالة مزدوجة: الأولى إلى واشنطن بأن الضغوط العسكرية لم تؤدِّ إلى تراجع استراتيجي، والثانية إلى الداخل الإيراني بأن القيادة تعتبر نفسها خرجت من المواجهة أكثر ثقة بقدرتها على فرض شروطها.
ومن الواضح أنّ طهران تسعى إلى استثمار اللحظة الإقليمية، لانتزاع اعتراف أميركي غير مباشر بدورها الأمني في الخليج. فاشتراط ضمان عبور السفن غير العسكرية من مضيق هرمز “بإشراف إيران” يعني عملياً محاولة تكريس معادلة جديدة تعتبر أنّ أمن الطاقة العالمي لا يمكن عزله عن المصالح الإيرانية، وهنا تكمن حساسية الموقف الأميركي، لأنّ واشنطن لطالما رفضت الاعتراف بأي دور سيادي إيراني يتجاوز حدودها البحرية التقليدية.
في المقابل، تبدو إدارة دونالد ترامب حريصة على إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لكن ضمن رؤية مختلفة جذرياً، فحديث ترامب عن “اتفاق عظيم للجميع” وربطه باتفاقيات أبراهام يكشف أنّ الإدارة الأميركية لا تنظر إلى التفاهم مع إيران كملف ثنائي فقط، بل كجزء من إعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يضمن دمج “إسرائيل” في البنية الأمنية والسياسية للمنطقة، ولذلك فإنّ الهوّة بين الطرفين لا تزال عميقة: إيران تريد اتفاقاً يكرّس نفوذها الإقليمي، بينما تريد واشنطن اتفاقاً يقيّد هذا النفوذ ويعيد هندسته.
وفي هذا السياق، تأتي التسريبات الأميركية المتعلقة بإخراج اليورانيوم المخصب من إيران لتشكّل جزءاً من حرب الرسائل النفسية المتبادلة. نفي وكالة “تسنيم” لهذه المعلومات لم يكن تقنياً فقط، بل سياسياً أيضاً، لأنه يعكس حرص طهران على عدم الظهور بمظهر المتراجع تحت الضغط. فإيران تدرك أنّ ملف اليورانيوم المخصب يمثّل اليوم أحد أهم عناصر القوة التفاوضية لديها، والتخلّي عنه دون مكاسب استراتيجية كبيرة سيُفسَّر داخلياً وخارجياً كتنازل مجاني.
كما أنّ رفض ربط الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة بالملف النووي يكشف عن محاولة إيرانية لإعادة تعريف مفهوم “بناء الثقة”، فبدلاً من أن تكون التنازلات النووية هي المدخل لتخفيف العقوبات، تريد طهران أن تبدأ واشنطن بخطوات اقتصادية وسياسية مسبقة، بما يشبه اختبار النيات الأميركية قبل الدخول في التفاصيل التقنية.
وتشير التحركات الدبلوماسية غير المباشرة عبر قطر وباكستان إلى أنّ الطرفين لا يزالان يفضّلان إدارة الصراع تحت سقف التفاوض، رغم التصعيد الميداني. لكنّ المؤشرات الحالية توحي بأنّ أي اتفاق محتمل سيكون هشّاً ومعقّداً، لأنّه لا يتعلّق فقط بالبرنامج النووي، بل بإعادة رسم توازنات الشرق الأوسط بأكمله.
وفي ظل استمرار الحرب في جنوب لبنان وتصاعد التهديدات الإسرائيلية، بتوسيع العمليات نحو بيروت، تبدو إيران مقتنعة بأنّ أوراق الضغط الميدانية تمنحها قدرة أكبر على المناورة السياسية. لذلك فإنّ طهران تتعامل مع التفاوض باعتباره امتداداً للصراع، لا بديلاً عنه، وهو ما يفسّر إصرار مسؤوليها على أنّ أي تفاهم مع واشنطن لا يعني نهاية المواجهة، بل ربما بداية مرحلة جديدة منها بأدوات مختلفة.




