صوت وصورة
مفاوضات سويسرا… كيف تقرأ الصحافة الإسرائيلية ملامح الشرق الأوسط الجديد؟

بقلم: شريف الهركلي
في إسرائيل لا تُقرأ المفاوضات بوصفها لقاءات دبلوماسية عادية، بل باعتبارها مؤشرات مبكرة على تحولات كبرى قد تعيد تشكيل توازنات الشرق الأوسط. لذلك، لم تنظر الصحافة الإسرائيلية والنخب السياسية والأمنية إلى مفاوضات سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران على أنها مجرد مسار تفاوضي جديد، بل بوصفها حدثًا استراتيجيًا قد يحدد شكل المنطقة خلال السنوات المقبلة.
ومن خلال متابعة التحليلات الإسرائيلية، يبرز سؤال جوهري يتكرر باستمرار: ماذا سيحدث إذا نجحت المفاوضات؟ فالمخاوف الإسرائيلية لا تتعلق بفشل الحوار بقدر ما ترتبط بالثمن السياسي والأمني الذي قد تدفعه إسرائيل إذا نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى تفاهمات جديدة.
وقد كشفت الصحافة الإسرائيلية عن شعور متزايد بالتهميش السياسي، إذ ترى بعض النخب أن ملفات تمس الأمن الإسرائيلي بصورة مباشرة تُناقش بين واشنطن وطهران دون حضور إسرائيلي فعلي في صناعة القرار. ومن هنا عاد إلى الواجهة سؤال يحمل الكثير من القلق: هل يُعاد رسم المشهد الإقليمي دون الدور الإسرائيلي التقليدي الذي اعتادت تل أبيب ممارسته خلال العقود الماضية؟
وفي المقابل، برز انقسام واضح داخل النخبة الإسرائيلية. فالتيار الأمني البراغماتي يرى أن التفاوض، مهما كانت نتائجه، يبقى أقل كلفة من حرب إقليمية مفتوحة قد يصعب التحكم بمآلاتها. أما التيار السياسي والأيديولوجي المتشدد، فيعتقد أن إيران تستخدم الدبلوماسية أداة لكسب الوقت وإعادة ترتيب قدراتها وتعزيز نفوذها الإقليمي.
كما لم يعد الملف النووي الإيراني وحده محور الاهتمام الإسرائيلي، بل أصبح الملف اللبناني حاضرًا بقوة في التحليلات السياسية والإعلامية، انطلاقًا من قناعة إسرائيلية بأن أي تفاهمات أمريكية إيرانية ستنعكس بصورة مباشرة على مستقبل التوازنات الأمنية في لبنان وطبيعة المواجهة مع حزب الله.
وفي الوقت ذاته، برزت تباينات واضحة بين حكومة بنيامين نتنياهو والإدارة الأمريكية بشأن إدارة المرحلة المقبلة. فبينما تميل واشنطن إلى احتواء التصعيد ومنع اتساع دائرة الصراع، يتمسك نتنياهو بالإبقاء على هامش واسع من حرية الحركة العسكرية باعتبارها جزءًا من استراتيجية الردع الإسرائيلية.
وفي العمق، تكشف هذه القراءة أن إسرائيل لا تخوض معركة دبلوماسية فحسب، بل معركة على مستقبل دورها الإقليمي. فهناك مخاوف متزايدة من أن يؤدي أي اتفاق إلى تخفيف الضغوط على إيران ومنحها فرصة لإعادة بناء قدراتها السياسية والاقتصادية، الأمر الذي قد ينعكس على نفوذها في المنطقة.
ولعل أكثر ما يقلق إسرائيل اليوم ليس قوة إيران وحدها، بل احتمال ولادة شرق أوسط جديد لم تعد تمتلك فيه القدرة الكبيرة على التأثير في مسارات الأحداث كما كانت تفعل في السابق. لذلك، تتعامل الصحافة الإسرائيلية والنخب السياسية مع مفاوضات سويسرا باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمستقبل التوازنات الإقليمية، وليس مجرد جولة تفاوضية عابرة.
وفي النهاية، يبدو أن معركة الشرق الأوسط انتقلت مؤقتًا من ساحات النار إلى طاولات التفاوض، لكن الصراع على النفوذ لم يتوقف، بل تغيرت أدواته فقط. فالدبلوماسية اليوم أصبحت امتدادًا للسياسة، والسياسة امتدادًا لموازين القوة، فيما تراقب إسرائيل بحذر شديد شرقًا أوسط جديدًا يتشكل أمام أعينها، دون أن تضمن أنها ستبقى اللاعب الأكثر تأثيرًا فيه كما كانت خلال العقود الماضية.




