صوت وصورة

مترجم معاني القرآن إلى الأمازيغية يغادر الحياة

د. محمد أرزقي فراد

◙ التحق الأستاذ المربي سي حاج محند طيّب بن عليّ بالرفيق الأعلى وعمره 92 سنة(1934-2026م)، يوم السبت 30 ماي 2026م بعد مرض عضال ألزمه الفراش مدّة طويلة. وقد قضى حياته المهنية في قطاع التربية معلّما وأستاذا ومفتشا، ليتفرّغ بعد ذلك للكتابة والتأليف، فأثرى المكتبة الجزائرية بعدد من المؤلفات لعل أهمها ترجمة معاني القرآن إلى اللغة الأمازيغية (التفسير الميسّر لكلام الله الموقّر)، تحدّث فيها عن تجربته في الحياة، ولا شك أن جهوده الفكرية قد صنعت له عمرا ثانيا لا يفنى ( وما من كاتب إلاّ سيفنى ● ويبقي الدهر ما كتبت يداه). رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله الصبر والسلوان، كل نفس ذائقة الموت.
د. محمد أرزقي فراد
◙ دُفن هذا اليوم الأحد 31 ماي 2026م في مقبرة مدوحة بمدينة تيزي وزو، بعد صلاة الجنازة التي أمّها الدكتور السعيد بويزري بتوصية من المرحوم، في مسجد الشيخ أبي يعلى الزواوي بالمدينة الجديدة. ورافقه إلى مثواه الأخير جمهور غفير من رفاقه وطلبته وأئمة المساجد والمعجبين بمساره التربوي، والمشتغلين في حقل الدعوة والفكر الإسلامي، يتقدمهم الأستاذ المأمون القاسمي(وزير وعميد جامع الجزائر)،والدكتور عمار طالبي، والأستاذ محمد أمزيان سي يوسف (مدير دار الأمل للطبع والنشر والتوزيع) الذي تكفل بطبع مؤلفات الفقيد، والداعية الأستاذ السعيد معول، وبعض ممثلي الزوايا، والأستاذ محمد الصالح لحضيري (ممثل شعبة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بمدينة تيزي وزو)، ومزيان يجري (منسق الزوايا لولاية تيزي وزو)، والدكتور عبد الرزاق قسوم، والدكتور محمد الهادي الحسني، وممثل وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الأستاذ بوعشة، ومدير معهد تكوين الأئمة بيلولة اُومالو، والدكتور ملزي عضو الهيئة العلمية للإعجاز العلمي، والأستاذ محمد ملال (مدير مطبعة الزيتونة بمدينة تيزي وزو) الذي تكفل بنشر بعض مؤلفات الفقيد، والأستاذ الهاشمي عصاد (الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغية)، والسيد والي الولاية مرفوقا ببعض ممثلي السلطات المحلية. والجدير بالذكر أن السيد وزير الشؤون الدينية والأوقاف الموجود في الحج، قد اتصل هاتفيا بأسرة الفقيد لتقديم كلمة التعزية.
◙ هذا وكنت قد أدّيت له زيارة في شهر أكتوبر الفارط 2025م رفقة الأستاذ مُحند أمزيان سي يوسف (مدير دار الأمل للنشر والطبع والتوزيع) للاطمئنان على حالته الصحية المتأثرة بتقدّمه في السن، وقد رحّب بنا أيّما ترحيب كعادته في استقبال الضيوف، وكانت زيارة خفيفة مراعاة لوضعه الصحي الذي كان لا يسمح له بالجلوس لمدة طويلة.
◙ والأستاذ سي حاج مُحند م. طيّب هو عبارة عن كتلة من الخير تسير في المجتمع، معروف بشخصيته المحبوبة المتميّزة بدماثة الأخلاق وحسن المعاملة والبشاشة والإخلاص والإيثار، وقد تبرّع في قريته بمستودَعَين في إطار توسعة مسجد القرية.
◙ ولد سي حاج مُحند طيّب في قرية إفرْحُونَنْ،(مقر البلدية والدائرة)، ولاية تيزي وزو سنة 1934م، بعرش آث يتسوراغ العريق الذي أنجب علماء كثيرين، منهم الشيخ العربي الأخداشي (من القرن19م) مدرّس بزاوية (ثِمْعَمَّرْثْ) عبد الرحمن اليلولي الشهيرة في علم القراءات منذ القرن17م. تعلم القراءة والكتابة وما تيّسر من آيات القرآن على يد ابن عمّه الشيخ الربيع الذي درس في زاوية أمالو عرش آث عيذل (ولاية بجاية). كان الطالب سي حاج محند طيبّ يأخذ معه لوحته إلى المراعي لحفظ الآيات أثناء الرعي. ثم انتقل إلى زاوية (ثِمْعَمّرْثْ) سيدي أعمر وَلْحاجْ بعرش آث يجّر (دائرة بوزڤان حاليا) ومكث بها سنة واحدة فقط، انتقل بعدها في سنة 1947م إلى زاوية ثاغْرَاسْثْ (إغزر أمقران، ولاية بجاية)، حيث قضى ثلاث سنوات تمكّن خلالها من حفظ القرآن حفظا جيّدا. ثم اتجه نحو معهد عبد الحميد بن باديس بمدينة قسنطينة سنة 1953م وقضى هناك ثلاث سنوات.
◙ التحق سي حاج محند طيبّ بصفوف الثورة التحريرية سنة 1956م، فعُيّن عضوا في مجال الحُبوس كُلّف بتعليم القرآن للصبيان والفصل في النزاعات بموجب الشريعة الإسلامية، لإبعاد الجزائريين عن المحاكم الفرنسية. استمرّ على هذه الحال إلى غاية استرجاع الاستقلال، وكان قد تعرّض سنة 1958م للاعتقال لبعض الوقت.
◙ قضى مساره المهني في وزارة التربية والتعليم معلّما وأستاذا للغة العربية ثم مفتشا تربويا للطور الابتدائي في ولاية تيزي وزو. وكان ضمن الإطارات التي أرسلت إلى فرنسا في عقد ثمانينات القرن الماضي لتدريس اللغة العربية لأبناء المهاجرين(1985- 1989م).
◙ خصّص بعد إحالته على التقاعد جلّ وقته للكتابة والتأليف مُركّزا جهوده حول ترجمة معاني القرآن إلى اللغة الأمازيغية (ثاقبَايْلِيثْ أي لسان الزواوة)،وقد استغرق هذا المشروع مدة سبع سنوات. واشتمل مضمونه على كتابة القرآن برواية ورش من جهة، يقابله نصّ الترجمة الأمازيغية بالأبجدية العربية. والجدير بالذكر أنه اطّلع على جميع تفاسير القرآن قبل إنجاز هذا العمل الفكري العظيم، لذلك كُلّلت جهوده بالنجاح والتزكية من طرف لجنة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية المشكلة من الأساتذة: السعيد بويزري، جعفر اُولفقي ( المدعوة أبو عبد السلام)، والأستاذ محمد الطاهر آيت علجت.
◙ تكفل مُجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمملكة العربية السعودية بإصدار طبعته الأولى سنة 2012م. ثم أعيد طبعه في الجزائر بمال المحسنين سنة 2017م (حوالي 17 ألف نسخة) تم توزيعها مجّانا.
◙ والجدير بالذكر أن الأستاذ رمضان ناث منصور قد ترجم معاني القرآن إلى الأمازيغية سنة 2006م طبع في دار زرياب بموافقة وزارة الشؤون الدينية، واستعمل المؤلف الأبجديتين: تيفيناغ، والحروف اللاتينية.
◙ هذا وقد ألّف الأستاذ سي حاج محند طيّب – بالإضافة إلى هذا الانجاز العلمي العظيم- كتبا أخرى عديدة:
1- ذكريات مثيرة ومواقف حتمية (دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع).
2- نافذة على ترجمة معاني القرآن إلى الأمازيغية ( دار الأمل للطباعة والنشر).
3 – قصتي في المهجر (دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع).
4- مريم وعيسى عليهما السلام في القرآن(دار الأمل).
5- ثمُقِيتْ إزَجِّيڤنْ ذڤذرَارْ إڤوَوَنْ ( باقة زهور في جبال إڤوَوَنْ). دار الأمل.
6- ترجمة الأربعين النووية إلى الأمازيغية (القبائلية). دار الأمل.
7- على درب الكشكول (مجموعة مقالات) مخبر الممارسات اللغوية، جامعة تيزي وزو.
8- أماشهو، محاولة في دراسة التراث الامازيغي ( مخطوط).
◙ اختار الأستاذ سي حاج مُحند م. طيّب كتابة الترجمة الأمازيغية لمعاني القرآن بالأبجدية العربية، سيرا على خطة الأجداد الذين تركوا لنا مؤلفات عديدة في الفقه والتوحيد بها، ولكونها هي الأنسب، مع تعديل خمسة حروف لاستيعاب خمسة أصوات أمازيغية صرفة. وعُرف بجهوده الرامية إلى الدفاع عن الأمازيغية في إطار تكامليّ مع اللغة العربية والإسلام، وهذا من باب تكريس الوحدة الوطنية في إطار التنوّع الثقافي. واشتهر في هذا السياق بمقولته: « الأمازيغية التي توحّدنا وتقرّبنا من الدِّين فمرحبا بها وعلى الرأس والعين، أمّا الأمازيغية التي تفرّقنا وتبعدنا عن الدِّين فلا مرحبا بها ولا كانت ولا كنّا.».
◙ استقبل الرأي العام جهود الأستاذ سي حاج محند طيّب بن عليّ الفكرية والمتمثلة بصفة خاصة في ترجمة معاني القرآن إلى الأمازيغية بحفاوة كبيرة، فتمّ تكريمه من طرف هيئات كثيرة منها:
– رئيس بلدية سيدي أمحمد بالعاصمة بمعية مدير معهد القراءات ومدير المركز الثقافي مجّوبي. سنة 2008م.
– جريدة الشروق، سنة 2009م.
– ولاية سطيف، سنة 2010م.
– المجلس الأعلى للغة العربية، سنة2011م، بحضور وزراء سابقين كثيرين.
– محسن من ولاية سطيف (عمرة)، سنة 2012م.
– جريدة الحوار.
– وزارة الشؤون الدينية 2021م.
– ولاية تيزي وزو.
– ولاية برج بوعريرج.
– جمعية النّماء التي يشرف عليها عويشر عبد الغنيّ.
– وغيرها من التكريمات على المستوى الوطني.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى