العالم
ما وراء اضطرابات إيران: من مطالب معيشية مشروعة إلى مواجهة حرب هجينة

طهران: مراسلة خاصة
تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ فترة موجات من التوترات الاجتماعية والأمنية، تزامنت مع ضغوط اقتصادية خانقة وحملة إعلامية خارجية غير مسبوقة. ورغم أن المطالب المعيشية تشكّل جزءًا طبيعيًا من أي حراك اجتماعي في ظل العقوبات والتضخم، إلا أن قراءة معمقة للتطورات الأخيرة تكشف أن ما جرى تجاوز سريعًا حدود الاحتجاج الاجتماعي، ليدخل في إطار محاولة منظمة لإعادة إنتاج سيناريوهات الفوضى الموجّهة التي استُخدمت سابقًا في عدد من دول المنطقة.
لقد بات واضحًا أن إيران لا تواجه فقط أزمة اقتصادية أو احتجاجات مطلبية، بل تواجه نموذجًا متكاملًا من الحرب الهجينة، تُستخدم فيه الأدوات الاقتصادية والإعلامية والأمنية والنفسية في آن واحد، بهدف إنهاك الدولة وزعزعة تماسكها الداخلي.
الجذور الاقتصادية والشرعية الأولية للاحتجاجات لا يمكن إنكار أن العقوبات الغربية المتواصلة منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وما رافقها من تضييق مالي وتجاري، أدّت إلى تراكم أزمات معيشية حقيقية، فقد أثّرت هذه العقوبات على قيمة العملة، ورفعت معدلات التضخم، وقلّصت القدرة الشرائية لفئات واسعة من المجتمع، خصوصًا الطبقات المتوسطة والفقيرة. هذا الواقع أفرز حالة من التململ الاجتماعي، عبّر عنها المواطنون عبر احتجاجات ذات طابع معيشي، وهو ما أقرّت به القيادة الإيرانية رسميًا، حين وصفت المطالب الاقتصادية بـ”المشروعة”، ودعت إلى معالجتها ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، مؤكدة أن الاحتجاج السلمي حق مكفول، شرط عدم تحوّله إلى أداة للفوضى أو التخريب.
التحول النوعي: من احتجاج اجتماعي إلى فوضى منظمة ما ميّز التطورات الأخيرة، هو الانتقال السريع وغير الطبيعي من تجمعات مطلبية محدودة إلى أعمال عنف وتخريب منظم، ففي المرحلة الأولى، حافظت أغلبية التحركات على طابعها السلمي، لكن سرعان ما دخلت على الخط مجموعات صغيرة، مدرّبة ومجهزة، قامت بـ: مهاجمة الممتلكات العامة والخاصة استهداف مراكز أمنية خلق احتكاكات دموية متعمّدة دفع قوات الأمن إلى ردود فعل تُستغل إعلاميًا النقطة التحليلية المركزية هنا أن عدد هذه العناصر لم يكن كبيرًا، لكنه كان عالي التنظيم والخطورة، وتشير تقارير أمنية إيرانية إلى أن هؤلاء ينتمون إلى شبكات معادية، سبق لها أن تلقت دعمًا وتدريبًا من أجهزة استخبارات أجنبية، لا سيما الأمريكية والإسرائيلية، ضمن سياق طويل من محاولات تقويض الاستقرار الداخلي الإيراني.
هذه المجموعات سعت إلى تطبيق تكتيكات شبيهة بسيناريو بنغازي في ليبيا: صناعة ضحايا، تضخيم المواجهات، إنتاج صور صادمة، ثم تسويق رواية إعلامية عبر منصات اجنبية، تمهّد لتدويل الأزمة، وفتح الباب أمام تدخل خارجي أو فرض ضغوط سياسية أشد.
الإعلام كأداة مركزية في الحرب الهجينة
في هذا السياق، لعب الإعلام الخارجي، الناطق بالفارسية دورًا حاسمًا، فقد عملت منصات مثل “إيران إنترناشيونال”، المعروفة بارتباطاتها المالية والاستخباراتية الغربية، على:
_ تضخيم حجم الاضطرابات
_ تعميم مشاهد عنف معزولة وتقديمها كصورة عامة
_ تغييب أي رواية مضادة
_ التحريض المباشر وغير المباشر على التصعيد
هذا “الأداء الإعلامي” لا يمكن فصله عن مفهوم الحرب الهجينة، حيث يتحول الإعلام من ناقل للأحداث إلى فاعل ميداني يوجّه السلوك، ويصنع الإدراك، ويحرّض على المواجهة، مستهدفًا تفكيك الثقة بين الدولة والمجتمع.
قطع الإنترنت: إجراء أمني في سياق استثنائي
في ظل هذا المشهد المركّب، لم يكن أمام السلطات الإيرانية من بد، سوى قطع الإنترنت بشكل محدود ومؤقت، وهو قرار أثار انتقادات واسعة، نظرا لكلفته الاقتصادية، لكنه من زاوية أمنية بحتة يُعدّ إجراءً دفاعيًا محسوبًا، هدف إلى:
_ شلّ قنوات القيادة والسيطرة، التي تربط المشاغبين بغرف عمليات خارجية.
_ منع التلاعب الفوري بالمشاهد والصور، وتوظيفها في حرب نفسية دولية.
_ إفشال التنسيق العملياتي، بين المجموعات العنيفة وعناصر الخارج، بما في ذلك شخصيات معارضة مقيمة في أوروبا وأمريكا.
_ منح القوات الأمنية هامشًا زمنيًا لعزل العناصر المسلحة، والتعامل معها دون الانزلاق إلى صدامات واسعة. ورغم الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لهذا الإجراء، إلا أنه يندرج ضمن منطق إدارة الأزمات الأمنية المركبة، حين تكون سرعة السيطرة على الموقف، أولوية تتقدم على الاعتبارات الأخرى.
ومنه أظهرت التطورات الأخيرة أن الدولة الإيرانية، تمتلك قدرة واضحة على التمييز بين الاحتجاج الاجتماعي المشروع ومحاولات التخريب المنظم. تعامل النظام مع الأزمة انطلق من مبدأ الفصل بين الأغلبية السلمية، والأقلية المسلحة والمحرِّضة، الخادمة لأجندات خارجية استعمارية.
أثبتت الأحداث أن الحرب على إيران لم تعد تقليدية، بل هي حرب هجينة شاملة تُستخدم فيها العقوبات، والإعلام، والتحريض الأمني، معًا.
إجراءات استثنائية مثل قطع الإنترنت، رغم كلفتها، تبقى في السياقات الحساسة أدوات سيادية لحماية الأمن الوطني. إن نجاح إيران في مواجهة هذا النمط من التهديدات، يتطلب استمرار المرونة السياسية، والذكاء الأمني، وتعزيز الوحدة الوطنية.
خاتمة في المحصلة
لم تكن التطورات الأخيرة مجرد انعكاس لحراك اجتماعي واسع، بقدر ما كانت محاولة خارجية لاستثمار مطالب حقيقية، وتوجيهها نحو سيناريو فوضوي، الفاعلون كانوا محدودين عددًا، لكنهم خطرون من حيث التنظيم والدعم، وقد تعاملت الدولة الإيرانية، مع هذا الواقع بوعي الفارق بين الاحتجاج والتمرد، وبضبط النفس، وقدّمت ردًا أمنيًا وسياسيًا، ينسجم مع طبيعة التهديد، في معركة مفتوحة مع نموذج الحرب الهجينة المستمرة.




