لماذا لم تشتروا كتابي أيُّها الأوغاد؟

معتصم الشاعر
( روائي وكاتب من السودان)
بعد تجربة مريرة في معرض الكتاب، شعر الكاتب العبقري بلا جدوى الكتابة، نشر على صفحته في فيسبوك: “في معرض السراب، قصدي معرض الكتاب، تأكدت تماما بأننا أمة لا تقرأ، لقد سكبت في روايتي الأخيرة كلّ تجاربي وفلسفتي في الحياة، وغُصتُ في أعماق بعيدة في النفس البشرية، لكنّني كنت مخطئاً، لم أعرف أنَّ عليّ أنْ أكون تافها؛ لتشتروا كتابي يا أيُّها الأوغاد”.
هذه الافتتاحية من خيالي، وقد يراها البعض واقعية تماما، لدرجة أنّ البعض قد صدّقها، لأنها تتضمن مقولة سمعناها مرارا حتى صارت عندنا من الحقائق التي لا تقبل الجدل، فمن أكثر الافتراضات المجحفة والمسيئة إلى الأمة العربية، ذلك الافتراض الذي يقول بأنّ العرب لا يقرأون، وهذا ليس الواقع بالطبع، هنالك نسبة كبيرة تقرأ وهنالك أشخاص تحوي مكتباتهم الشخصية آلاف الكتب، ومن العجب أنّ الذين يقرأون أيضا يُردّدون العبارة، وكأنّهم فلتة من فلتات الزمان أو الاستثناء من القاعدة، بالطبع هنالك مجموعة لا تقرأ، هؤلاء يرون القراءة مجرّد هواية، كتربية العصافير أو جمع الطوابع ولا يضرّ إن لم يمارسوها، هؤلاء ليسوا ببعيدين عن الفئة الأولى، إذا عرفنا كيف نجذبهم إلى عالم القراءة عبر استراتيجيات طموحة تستثمر فضولهم كبشر، وإذا غيّرنا نظرتهم للقراءة إلى أنها ضرورة حتمية للحياة الإنسانية.
فبدلا من الاستسلام لمقولات لا تسندها الأدلة، أو احصائيات مشبوهة تعزز من شعورنا السلبي تجاه أنفسنا؛ وتصنع لنا صورة ذاتية متخلّفة، وبالتالي تقلّل من فرصنا في صناعة التغيير، علينا أن نصنع الواقع الذي نريد، وبدلا من جلد الذات والسخرية من الواقع الذي لا يعجبنا، علينا أن نقوم بتشريحه، وتفكيكه للوصول إلى النماذج المعرفية التي صنعته، فعزوف البعض عن القراءة ليس سوى تجلي لما هو أعمق من مجرد عزوف عن القراءة، فكما قال الفيتوري: “الغافل من ظنّ الأشياء هي الأشياء”. فكاتبنا العبقري الساخط، قد يحتاج إلى إعادة النظر في صناعة الكتاب ودور كلّ الشركاء لا أن يلقي اللّوم على القارئ.
قد لا تعجبنا نسبة القراءة أو مبيعات الكتب في المعارض، ولكن هل القارئ وحده المسؤول عن واقع القراءة؟، هل لدينا دراسات عن أذواق الجمهور؟، عن سلوكهم أو عاداتهم في القراءة؟ عن ماذا يريدون؟، فطالما نحن نتحدّث عن سوق الكتاب، لا بدّ لنا أن نراعي اعتبارات السوق أيضا، ونتعامل مع الكتاب كسلعة دون أن ينقص ذلك من قدره شيئا؟
لنبدأ بكاتبنا العبقري، فهو رأس الرمح – كما يقولون- في العملية، هل يضع هذا الكاتب تحبيب الناس إلى القراءة كهدف مصاحب لرسالته التي يريد إيصالها؟ هل يعي تعقيدات العصر والوفرة في كلّ شيء؟ هل يستصحب معه الملهيات التي قد تجرف أكثر الناس صرامة؟ هل يعرف مقدار هامش الوقت المتاح للقراءة والذي تتنافس فيه الكتب القديمة والحديثة آلاف العناوين وآلاف الأسماء؟ هل يستصحب معه قواعد السوق الأساسية ونماذج العمل، فيتعامل مع كلّ كتاب كمنتج تجاري؟
ما هو مقدار الجهد الذي بذله كاتبنا قبل الشروع في الكتابة، كدراسة للسوق؟، هل قام بتقسيم العملاء “القرّاء” المحتملين إلى شرائح، أو ما يُسمّى ب segmentation في نموذج العمل للمنتجات الجديدة، وهل استهدف بعد ذلك الشريحة المناسبة؟، هل سأل نفسه أو أجرى أبحاثا حول ماذا تريد تلك الشريحة؟ ما هي توقعاتهم؟ وما هي القيمة التي يضيفها لهم value proposition، أي ما الذي يجعل هؤلاء القراء “العملاء” المحتملين يختاروا كتابه من ضمن مئات أو آلاف الكتب المطروحة في السوق؟، هل فكر كيف يصل إلى تلك الشريحة بمساعدة الشركاء؟ ما هي القنوات channels التي يتواصل عبرها مع القرّاء “العملاء”؟، وكيف يدير علاقاته مع القراء customer relationship، وكيف يحافظ عليها لصنع ماركته الشخصيةbrand ، وكيف يسعي لترسيخها؟، وهل فكر في الموارد الأساسية key resources التي يحتاجها لتنفيذ كلّ ما ذكر، قد تتضمن الموارد التقنيات الخاصة والمعارف المساعدة التي يحتاجها لرفع جودة عمله لدرجة تتفق مع احتياجات وتوقعات الفئة المستهدفة، وما هي الأنشطة الرئيسة key activities التي يحتاجها لتحقيق النتائج التي يريد؟، ما هي الشراكات key partnership التي يحتاجها للوصول للنتائج؟، هل يحتاج إلى مؤلف مساعد أو فريق عمل لتعزيز نقاط قوّته وتقليل نقاط ضعفه أو معالجتها؟ هل يحتاج إلى محرّر أو وكيل أدبي (ثقافة غائبة في عالمنا العربي)، هل يحتاج إلى وسائل إعلامية أو وكالة تسويق عبر الانترنت؟، وما إلى ذلك، وفي الأخير كيف يفعل كلّ ذلك في حدود تكلفة يستطيع تحمُّلها؟
قد يبدو ما ذكرته شاقاً، وقد يسأل كاتبنا: “لماذا أقوم بكلّ ذلك؟ ألا يكفي احتراقي الإبداعي؟” سنقول له لا يكفي، لأنّ هذا هو منطق السوق، وسيساعد دار النشر في القيام بالجزء الذي يخصُّها، فإذا أردت أن تحقّق روايتك مبيعات عالية، عليك أن تتعامل مع كتابك كمنتج تجاري.
غالبا تغيبُ عن الكاتب العربيّ مسألة من هم الجمهور الذي أكتب له؟ إننا نكتب للجميع، على افتراض أنّ عدد القرّاء من أصله قليل استنادا إلى فرضية أنّ العرب لا يقرأون، فنسعى بذلك لكسب جميع القراء، دون مراعاة الأذواق الفردية التي يمكن أن نعرفها من خلال تقسيم القراء إلى شرائح، وهذا خطأ فادح، فلا يمكن لشخص أن يقرأ كلّ الكتب لكلّ المؤلفين، فهذا يتجاوز عمر الإنسان، فالناس يختصرون تجارب الحياة، في النماذج التي يحبُّونها ولهم استعداد لتكرارها، وإذا سألنا كاتبنا العبقري الساخط: “إلى أيّ نوع من الأنواع الأدبية تنتمي روايتك التي سكبت فيها كلّ فلسفتك؟، سيتلعثم ويقول إنّها رواية تحكي عن كذا وكذا دون أن يحدّد لنا النوع genre التي تنتمي إليه، إنّ نظرية الكاتب العمومي هذه أيضا من آثار عدم تحديد الجمهور المستهدف، وهي أيضا السبب وراء عدم نضوج الكتابة للأطفال والفتيان، لأنّ ثقافة الكتابة لفئة معيّنة وتلبية احتياجاتها وإشباع توقُّعاتها تكاد تكون مفقودة، وقد ظهرت مؤخرا جوائز في العالم العربي والخليج بصفة خاصّة للكتابة للأطفال والفتيان، آمل أن تسهم في الارتقاء بهذا النوع من الأدب.
وعلى ذكر الجوائز، والتي صارت كثيرة في السنوات الأخيرة، قد تصرف الجائزة نظر بعض الكتاب، عن تحديد جمهورهم من القرّاء والتركيز على توقُّعاتهم واحتياجاتهم إلى التركيز على لجنة التحكيم وكيف يُلبّي توقُّعاتهم أو يبهرهم، وقد يكتب على غرار أعمال سبق لها الفوز، فنحصل على نماذج مكرّرة.
خلاصة القول، إنّ موضوع القراءة يحتاج إلى حلقات نقاش، ويحتاج كلّ شركاء الثقافة، من مؤسّسات حكومية وشعبية وكتّاب ودور نشر ومحرّرين ونقاد وأصحاب مكتبات وصحافة ثقافية وإعلام وقراء وغيرهم، نحتاج جميعا لتطوير أدوارنا لتكون أكثر احترافية، قد يكون ذلك شاقًّا، ولكن لا مفرّ.





اوافقك الرأي ان القراءه تحتاج معينات كثيره قبل الشغف بها