كمال داود مرة أخرى..

عبد المجيد بلخوص
في سنة 2013، نشر كمال داود رواية مارسو تحقيق مضاد Meursault, contre-enquête عن منشورات البرزخ الجزائرية، وقد جلبت له الكثير من المتاعب، لأنها لم تلق القبول بشكل يكاد يكون مطلق داخل الجزائر، وقد وصل الأمر بزعيم أحد الأحزاب الإسلامية غير المعتمدة آنذاك، إلى إهدار دم الكاتب، لأن الرواية تهجُّم صريح على الدين والقيم الإسلامية على حد تعبيره. مرة أخرى يعود كمال داود ليشغل الإعلام بحوريات Houris عن دار النشر الفرنسية قاليمار Gallimard، وهو الكتاب الذي رُوّج له على أنه كشف لجوانب مخفية من العشرية السوداء، ذلك أن حوريات هي قصة امرأة تسمّت باسم فجر، فاقدة للصوت، بسبب بتر حبالها الصوتية من طرف (une katiba de terroristes)، وهي في الخامسة من العمر، كان ذلك في عز المأساة الوطنية التي مرت بها البلاد.
هذه البنت لن تكُف عن البوح بصوت داخلي لحورية تسكن أحشاءها، وهي حورية لن ترى النور لأن فجر ستجهض حبا فيها، فهي تخشى أن يلحقها مكروه في بلد يمقت المرأة والحرية. حوريات نالت الغونكور في بداية نوفمبر الماضي، وهي جائزة جد مرموقة في فرنسا، كمال داورد هو أول جزائري ينالها وثالث عربي بعد كل من أمين معلوف وبنجلون. بعد الإعلان عن فوز حوريات انقسم الجزائريون في شأن الكاتب، منهم من رحّب ومنهم من تحفّظ، كما منهم من أنكر. المثير للاهتمام في كل هذا هو أنه وبعد أن فازت حوريات بالجائزة، خرجت إلى العلن امرأة تُدعى عربان سعادة من مدينة وهران، قائلة إن القصة قصتها، وإنها على معرفة شخصية بكمال داود وزوجته، وهي طبيبة نفسانية كانت عربان سعادة ترتاد عيادتها للعلاج، فكانت تكاشفها بكل شيء يخصها، والخلاصة هي أن كمال داود اكتفى بأن قدم الملف الطبي منقحا للجنة الغونكور، وهو الفعل الذي سيجرّه هو وزوجته وعربان سعادة وحوريات إلى القضاء.
المهم في كل ذلك هو شأن الرواية الذي أخذ يتعاظم، شيئا فشيئا، في السنوات الأخيرة، بعد أن تحوّل هذا النص التخييلي، إلى وسيلة فعالة من شأنها أن تجُر الروائيين إلى المحاكم.
لا شك أنّ كل مُحب للرواية هو الآن مُعجب بهذا الصخب الذي يعقب نشر الأعمال الروائية التي تلقى الرفض، تلك التي تقفز على الحواجز لكي تحرّك الراكد، لكي تستنطق الحجر، وتمنح الصوت لمن لا صوت له. لقد وُفّق كثيرا علي عزت بيكوفيتش عندما قال إننا نجد في الرواية ما لا نجده في غيرها، فهي قد تجعل من الخادم بطلا، ومن الملك شخصية هامشية، في هذا السياق نذكر مثلا قصة المعطف لنيكولاي غوغول، ذاك الموظف البسيط جدا في إحدى الإدارات، والذي لا يملك معطفا يقيه البرد، بقي في أذهاننا لأنك ببساطة بطل، هم لم يفعل شيئا خارقا إلا أنه بطل بشكل ما. إن طبيعة الرواية هي المسؤولة عن ليونتها، لأنها تستدعي كل الأدوات المُمكنة لكي تُحيط عِلما بالظاهرة التي تطرحُها، فهي ليست بالمرة مرآة للواقع، إنّما تتمّة له، أو ربّما هي الواقع أو الواقع المُمكن، لذا تتشعّب لُغتها، أو بالأحرى لُغاتها، ثمّ هي تخييل لا حد له، هنا لابد أن ننوه بأن من شروط الغونكور هو أن يكون العمل مُتخيّلا، وهو الشرط الذي قد يضع كمال داود واللجنة التي منحته الثقة في مأزق حقيقي.




