ثقافة وفن

“كعبة الشّمال”.. حكاية الدياسبورا مع الزمن الخائب!

تدورُ رواية “كعبة الشمال والزمن الخائب” (دار العين للنشر/2024)، للروائيّ والناقد الجزائري محمد ساري، المرتقب توزيعها بمناسبة الدورة المقبلة من صالون الجزائر الدولي للكتاب، حول أسرة جزائريّة تمرُّ برحلة جافّة في مرسيليا (جنوب فرنسا)، قبل أن ينتقل أفرادُها إلى ليون (شمال فرنسا)، أملا في الحصول على فرص أخرى وأحلام كبيرة، لكن ينهار كلُّ شيء تحت وطأة التقاليد العربيّة التي فرُّوا من الجزائر هربًا منها، فكبست صدورهم وأثقلتها، وكالمعتاد المرأة العربيّة هي التي تدفع الثمن.

أحمد بن رابح

وممّا جاء على غلاف الرواية “تمزّقت الجزائر عدة مرّات في تاريخها، قبل أن يعاود أهلها بقوّتهم الصُّمود مرّة أخرى في وجه التاريخ، واستعادة أنفسهم وحاضرهم. وكانت الهجرة من أبرز علامات التمزُّق والانشقاق الذي عانت منها البلدان العربيّة إبّان فترات الاستعمار وما تلاه، فهاجرت الأسر الجزائرية بحثا عن نفسها بعيدا عن الواقع المرير، لكنّ الواقع الذي وجدوه في فرنسا لم يكن يقلُّ مرارة وقسوة عمّا تركوه خلفهم”.

ونقرأ على الغلاف أيضا “سواء أكانت المرأة في حدود البلاد العربيّة أم تمكّنت من مغادرتها، طالما هي عربيّة الأصل، تظلُّ الأشباح تطاردُها وتنهكُها كما حدث مع فريدة أو فيفي. كيف لاقت مصيرها وتحمّلت قسوة الأب واستسلام الأم؟ هذا ما نعرفه بين طيّات هذه الرواية الفارقة التي تُحدّثنا عن كيف يكون الجميع ضحايا، حتى وإن بدوا قساة لا تعرف قلوبهم الرحمة”.

وتعليقًا على هذا العمل الروائيّ الجديد، يقول الناقد عمر بوساحة “ليست مجرّد رواية بل صرخة تاريخ غارقة في الذاكرة وموجة هجرة أمل. يتداخل فيها التاريخ مع انعكاسات الروح وصدى الأحلام التي عبرت البحار والقارات بحثا عن ملجأ يليق بالإنسانية والكرامة”.

ويُضيف بوساحة “يظهر محمد ساري في هذا العمل كعمود من أركان الأدب العربي المعاصر، ينحتُ في العقل البشري قصّة تتميّز بعمقها وثراءها. ويبرع في نسج خيوط السّرد بمهارة تنافس أجمل اللّوحات، باستخدام لغة شعرية ترفع من مكانة الكلام، وتعطي النصّ شخصيّة ملحميّة”.

ويرى الناقد، عمر بوساحة، أنّ هذه الرواية تنقلُ القارئ إلى قلب التجربة والمعاناة الجزائرية، عبر شخصيات واقعية نابضة بالحياة، تعكس تعقيدات الهوية والانتماء والنفي، خاصّة وأنّ الروائيّ محمد ساري لا يروي الأحداث فقط، بل يدعونا للغوص في أعماق النفس البشرية، مكشوفين لمشاعرها وتطلُّعاتها وخيبة أملها.

ويؤكّد بالقول “رواية نابضة بالحياة تحكي رحلة عائلة جزائرية عبر فرنسا، من مرسيليا في الجنوب إلى ليون في الشمال، في بحثهم اليائس عن حياة أفضل. تسلّط الرواية الضوء على معاناة الجزائر التي مزّقها الصراع والاستعمار، إذ تحمل الشخصيات معها التاريخ الغنيّ لبلادها ممّا يجعل هذه الهجرة ليست تغييرا جغرافيًّا فقط بل رحلة مشحونة بالتاريخ والهوية”.

ويضيف “تعكس الرواية الحقيقة القاسية التي يواجهها المهاجرون عندما يكتشفون أنّ المصاعب التي فرُّوا منها إلى بلادهم لا تزال تطاردهم في المنفى. كما تسلّط النزاعات والتحدّيات التي تواجه الشخصيات، وخاصّة النساء مثل (فريدة/فيفي)، الضوء على الأعباء المزدوجة المرتبطة بالهوية، حيث تستمرُّ القيود الثقافية والاجتماعية في تشكيل تجاربهنّ حتى بعد الهجرة”.

وتحكي “كعبة الشمال” أيضًا كيف يمكن أن يتحوّل الأمل إلى خيبة، وكيف يمكن أن يصبح الجميع ضحية ظروفه، حتى لو كانت النوايا صافية، وتستكشف ديناميكيات الأسرة، وتحدّيات الاندماج في مجتمع جديد، وتظهر كيف يمكن للنضال من أجل الاستقرار والقبول أن يشكّل ثقلًا على الأفراد، ويجبرهم على مواجهة المعضلات الأخلاقية والشخصية.

ويعتقد الناقد عمر بوساحة أنّ محمد ساري يُقدّم من خلال هذه الرواية، الغنيّة بالأحداث والشخصيات العميقة، عملا يحتفي بالمرونة والصمود في مواجهة التحدّيات الهائلة، مُسلّطا الضوء على التعقيدات العاطفية والثقافية التي يواجهُها الجزائريُّون في بلاد المنفى.

يُشار إلى أنّ الروائيّ والناقد الجزائريّ، محمد ساري، من مواليد 1958، بمدينة شرشال بولاية تيبازة (غرب الجزائر)، يكتب باللُّغتين العربيّة والفرنسيّة، ويشتغل أستاذًا للنقد الأدبي (سيميولوجيا، سوسيولوجيا، تحليل الخطاب) ونظرية الأدب في قسم اللُّغة العربيّة بكليّة الآداب واللُّغات بجامعة الجزائر، منذ عام 1999. من رواياته المنشورة باللُّغة العربية “على جبال الظهرة”، و”البطاقة السحرية”، و”الورم”، و”الغيث”، و”القلاع المتآكلة”. كما صدر له باللُّغة الفرنسيّة 9 كتب، وترجم أكثر من 25 كتاباً من الفرنسيّة إلى العربيّة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى