ثقافة وفن
قراءة في كتاب: الصورة الكبيرة كمقاربة لدراسة العلاقات الدولية

البروفيسور/ محمد خوجة
صدر في بداية شهر مارس الماضي كتاب مهم ،عن منشورات جامعة كامبردج Cambridge University Press، تحت إشراف الباحثين ريتا فلويد Rita Floyd ولاوست شوينبورج Laust Schouenborg، بعنوان: الصورة الكبيرة كمقاربة لدراسة العلاقات الدولية: التفكير مع باري بوزان وما بعده The Big Picture as an Approach to the Study of International Relations : Thinking With and Beyond Barry Buzan يعد باري بوزان واحدًا من أكثر الباحثين الأوروبيين إنتاجًا في مجال العلاقات الدولية، ويشتهر بإسهاماته متعددة التخصصات، والتزامه بتيسير الوصول إلى الأفكار المعقدة. يتضمن هذا الكتاب تحليل مفصل لنهج “الصورة الكبيرة” الذي يقدمه في مجال العلاقات الدولية، بالإضافة إلى تخصصات العلوم الاجتماعية ذات الصلة.
يبدأ الكتاب بشرح المشروع الفكري لباري بوزان على مدار حياته المهنية الطويلة، وتطوير تفكيره فيما يتعلق بالصورة الكبيرة وأسلوب البحث الذي ينخرط فيه. ثم يستخدم المساهمون ذلك كنقطة انطلاق، للتفكير في القيمة الأوسع لنهج الصورة الكبيرة، مع أخذ نقطة انطلاقهم في خمس مجالات علمية: نظرية العلاقات الدولية، والمدرسة الإنجليزية، وتاريخ العالم، ودراسات الأمن الدولي، والاقتصاد السياسي الدولي.
تُعرِّف «مقاربة الصورة الكبيرة» عند بوزان بأنها طريقة في البحث تقوم على: تكبير زاوية النظر إلى مستوى بانورامي، رصد الأنماط الكبرى، بناء أدوات مفاهيمية وتركيبية (أطر تحليلية)، تساعد على ترتيب التعقيد الهائل في قضايا مثل الأمن الدولي، المجتمع الدولي، التاريخ العالمي والاقتصاد السياسي الدولي، مع تجنّب الالتزام بنظرية واحدة أو أجندة معيارية محددة. يعرِّض الكتاب لمسار تطور هذه المقاربة عبر ثلاثة كتب مفصلية لبوزان: People, States and Fear -الشعوب، الدول والخوف ابتكار القطاعات الأمنية، مفهوم الامن المجتمعي”، وتوسيع أجندة الأمن خارج الإطار العسكري فقط .
– من المجتمع الدولي إلى المجتمع العالمي؟ From International to World Society?: إعادة صياغة المدرسة الإنجليزية؛ تعريف المجتمع الدولي، العالمـي، المؤسسات الأولية والثانوية، والتمييز بين المجتمعات ما دون العالمية. -صنع المجتمع العالمي Making Global Society : تتويج لمسار بوزان حيث حاول أن يقدّم سردية نظرية لتاريخ البشرية ،عبر أكثر من خمسين ألف سنة من خلال تطور ”المؤسسات الأولية” في ظل شروط مادية وعالمية متغيرة.
يبين الكتاب أن المقاربة عند بوزان تتصف بخصائص رئيسية: -موضوعها دائماً واسع: الأمن الدولي، المجتمع الدولي، التاريخ العالمي، لا حالات فردية. -هدفها التبسيط والترتيب عبر خرائط مفاهيمية، لا تفسير كل تفصيل. -تستند إلى تعدد نظري (استفادة من الواقعية، البنائية، المدرسة الإنجليزية، السوسيولوجيا، التاريخ العالمي …).
-تاريخية الطابع وطويلة المدى، مع إستعداد للقيام بالتنبؤات وبناء السيناريو. -تحليلية وغير معيارية: تجتهد في الوصف والشرح، أكثر من إصدار الأحكام الأخلاقية أو التوصيات السياسية المباشرة. كما يضع الكتاب مفهوم «الصورة الكبيرة» ،في مواجهة «النظريات الكبرى» مثل الواقعية البنيوية والماركسية: النظريات الكبرى تدّعي أنها قانونية عامة وتفسيراً واحداً (الأناركية، الرأسمالية…)؛ أما مقاربة بوزان فتوفر ”أطر دراسة” أكثر منها نظرية عالمية واحدة، وتقاوم الاختزال الإيديولوجي، لكنها تُنتقد أحياناً لفرط التبسيط أو إهمال البعد المعياري، أو صعوبة تكرارها من قِبل باحثين أصغر سناً.
يشرح الكتاب بإسهاب: من هو باري بوزان، لماذا يُعدّ من أكثر منظّري العلاقات الدولية تأثيراً، وكيف تشترك أعماله
– من الأمن، إلى المدرسة الإنجليزية، إلى التاريخ العالمي
– في أسلوب واحد هو “الصورة الكبيرة” كما سبق تلخيصه. ويُحدِّد أسئلة الكتاب الثلاثة: ما -هي مقاربة الصورة الكبيرة؟
– ما فرصها ومواطن قصورها؟ -وهل يمكن للآخرين أن يكرّروها؟ ثم يقدّم خريطة لأجزاء الكتاب الستة (النظرية، المجتمع الدولي، التاريخ العالمي، دراسات الأمن، الاقتصاد السياسي، الخاتمة) مع إبراز خيوط مشتركة مثل: التوتر بين الشمولية والتفصيل، الموقف من المعيارية، وإمكان تعميم المقاربة خارج العلاقات الدولية. في الفصل الثاني يفحص فيفر نوع «النظرية» التي يعمل بها بوزان في كتاب صنع المجتمع العالمي Making Global Society بوصفه نموذجاً لتنظير تاريخي واسع.
يؤكد الكتاب أن نظرية بوزان ليست ”نظرية قوانين” على النمط الأمريكي (متغيرات، فرضيات، اختبارات)، وليست أيضاً “نظرية بسيطة” على طريقة كينيت والتز، بل أقرب إلى شبكة مفاهيمية كثيفة (مجالات ثلاثة: بين-دولي، عابر للحدود، بين-بشري؛ مؤسسات أولية؛ قدرة التفاعل؛ أنماط التمايز؛ عصور وتحولات)، تُستخدم لرسم «خريطة» للتاريخ البشري. ويشدد على أن هذه النظرية غير منفصلة عن “حالة” واحدة هي تاريخ البشرية نفسه، فلا توجد حالات متعددة لتطبيقها؛ وبالتالي فإن النظرية والسرد التاريخي يتكوّنان معاً، ولا يمكن فصلهما بسهولة.
يناقش فيفر أيضاً أثر مسار بوزان السابق مع الواقعية البنيوية وكتاب منطق الفوضى Logic of Anarchy في بلورة مفاهيم مثل “قدرة التفاعل” وعلاقة النظام/البنية، ويطرح سؤالاً: إلى أي حد ينجح بوزان في الاحتفاظ ببعد “البنية الدولية” (بالمعنى الوالتزي)، عندما يحمّل معظم العمل التفسيري على “المؤسسات الأولية”؟ كما يناقش ما إذا كانت مقاربة بوزان للصورة الكبيرة التي تتجاوز الدولة والبعد الدولي، إلى المجتمع العالمي والتاريخ الطويل ، تؤدي عملياً إلى تذويب حدود تخصص العلاقات الدولية، لصالح سوسيولوجيا عالمية أوسع. يطرح فكرة أن التركيز على “الإنسانية” و’’المجتمع العالمي” قد يجعل مفهوم ‘’الدولي” قيداً مصطنعاً، وبالتالي قد يكون مصير مقاربة بوزان أن تتجاوز العلاقات الدولية كمجال منفصل. مقابل ذلك، يصرّ بوزان – كما تذكر المقدمة – على أن العلاقات الدولية يمكن أن تكون تخصصاً رئيساً قادراً على استيعاب مساهمات حقول أخرى ما دام موضوعه تفاعلات الكيانات السياسية الكبرى ونتائجها العالمية. ويبين أنه كل نظرية تحمل بعداً معيارياً، حتى عندما تدّعي الحياد؛ فإختيار ما نُدرج في الصورة، وما نهمله، وكيف نُسمّي الأشياء، كلها ممارسات مشحونة بالقيم. ينتقد نمط بوزان “اللّامعياري” ويجادل بأن تجاهل البعد الأخلاقي في قضايا الأمن، المجتمع الدولي و التاريخ العالمي، يعني عملياً تثبيت الوضع القائم، وتغييب أسئلة العدالة والهيمنة والاستبعاد. يطرح أن “الصورة الكبيرة” لا تكتمل ما لم تُداخِل سؤال: أي نوع من النظام العالمي نريد؟ وليس فقط: كيف يعمل النظام العالمي؟ في الفصل الخامس يعيد روبرت فولكنر تتبع تطور مفهوم مجتمع العالم world society ،من بداياته الغامضة عند هدلي بول إلى إعادة تعريفه عند بوزان، وكيف انتقل من مفهوم ثانوي غير محدد إلى عنصر محوري في تحليلات المجتمع الدولي والعالمي. يوضّح كيف أن إستخدم بوزان التقسيم الثلاثي (مجتمع الدول، المجتمع الإنساني، المجال العابر للحدود)، لرفع مكانة «مجتمع العالم» من ملحق إلى أداة تحليلية رئيسة، ثم كيف واصل تنقيح المفهوم في أعمال لاحقة. ويشير إلى أن تحليلات بوزان تؤدي في تاثيراتها ”ككاسحة جليد” تفتح ممرات واسعة، تاركاً للآخرين مهمة تفصيل التاريخ الاجتماعي للمجتمع العالمي ومؤسساته. يشرح الكتاب كيف أن أعمال باري بوزان تقع في قلب عن التنظير التاريخي واسع النطاق macro history ،بوصفه الشكل الأنسب ”للصورة الكبيرة” في العلاقات الدولية،فهي تشرح كيف كانت العلاقات الدولية في بداياتها أقرب إلى السرديات الكبرى التاريخية، ثم انحرفت ، مع أمريكَة التخصص وسيطرة النزعة «العلموية»، نحو تجزئة منهجية وإنفصال عن التاريخ. وأن باري بوزان إضطلع بدوراً سوسيولوجياً مركزياً ،في إبقاء هذا التقليد حياً وربطه بين مدارس مختلفة البنائية، المدرسة الإنجليزية، وبين ناشرين كبار ، مما مهّد لموجة معاصرة من الأعمال التاريخية العالمية التي تتجاوز المركزية الأوروبية. تستعرض الخاتمة بوضوح السؤال الذي طرحته المقدمة والفصول مراراً: هل يمكن لباحثين أصغر سناً أن يكرروا مثل هذا النمط من العمل؟ يقرّ بوزان بأن شروط الحقل الأكاديمي اليوم ،ضغط النشر المتكرر، التركيز على دراسات حالة ضيقة وقابلة للقياس، هيمنة المقاييس المنهجية على حساب الأسئلة الكبرى، تجعل من الصعب على الباحثين الشباب، أن يستثمروا عقوداً في بناء مشاريع شاملة متعددة الحقول. مع ذلك، يرى أن هناك فرصاً جديدة: التعاونات العابرة للتخصصات، فرق البحث، المشروعات التراكمية (حيث يضيف كل باحث جزءاً من خريطة أكبر)، واستخدام أدوات رقمية وبيانية لتوسيع قدرة الفرد على «رؤية» الأنماط. يدعو ضمنياً إلى أن تتحمّل الأجيال الأكبر والمؤسسات (أقسام، مجلات، دور نشر) مسؤولية خلق فضاء يسمح للأبحاث ذات «الصورة الكبيرة» أن تُقيَم على أساس قدرتها التفسيرية وليس فقط على قائمة أدواتها المنهجية. تنتهي الخاتمة بربط السؤال النظري بمستقبل الحقل: يطرح بوزان أن العالم يواجه تحديات بنيوية (تغيّر مناخي، ذكاء اصطناعي، تحولات في الرأسمالية العالمية، «تعددية عميقة» في الهويات والنظم) ،لا يمكن فهمها إلا من خلال أطر واسعة تربط بين الأمن، الاقتصاد، المجتمع، والبيئة عبر الزمن الطويل. يرى أن العلاقات الدولية كحقل لن تبقى ذات صلة ،إن اكتفت بدراسات جزئية حول سياسات خارجية أو أزمات آنية، وأن مقاربة الصورة الكبيرة، بأشكالها المختلفة عنده وعند غيره ، تقدم أحد المسارات لإعادة وصل الحقل بالتاريخ والمجتمع العالمي وبالعلوم الاجتماعية الأخرى. وهو بذلك يفتح الباب أمام تطوّر مستقبلي ،لمقاربة الصورة الكبيرة لا يقتصر على أعماله الشخصية، بل يُعاد تشكيلها عبر حوارات مع التاريخ العميق، الأنثروبولوجيا، الدراسات الإقليمية غير الغربية، والاقتصاد السياسي النقدي؛ أي أن أفضل نتيجة يطمح لها ليست أن يُقلَّده الآخرون، بل أن يتجاوزوه إنطلاقاً من نفس الطموح، إلى رؤية الصورة الأكبر.




