الجزائر
عتّالون: خبزة بدمها ومهنة بهمّها!

سناء بلال
تعتبر مهنة العتالة واحدة من أصعب المهن وأكثرها ارتباطا بالاستنزاف الجسدي للعمال القائمين بها ، فمجرد ذكر كلمة عتال او حمال يستحضر في اذهاننا حملا ثقيلا من الشقاء والتعب ، حصيلتها مردود منخفض بالكاد يكفي لتلبية متطلبات الحياة ، امراض مزمنة تفتك بالعمود الفقري والعظام تترك صاحبها عاجزا او شبه عاجز مع التقدم في العمر ،ولسان حال العتالين او الحمالين مع مخاطر مهنتهم يقول ” ما جبرك على المر الا الأمر” فئة كادحة تحدوا العمر والزمن ، صبروا وثابروا ، كدوا وكدحوا حتى ولو كان ما يكسبوه قليل الا انه اهون عليهم من تكفف ايدي الناس.
حمالون تحدوا العمر والزمن
رغم مشقة مهنة الحمالين الا انها تبقى شاهدا على المهن العتيقة ، يحملون على اكتافهم اثقال الحياة معظم الحمالين تحدوا العمر والزمن سنوات ، بعضهم يحمل شعار “اذا ما طاعك الزمن طيعه” واخرون حملوا معهم هموم واحمال الناس على ظهورهم ، دخلنا الى عالم الحمالين حملنا هموهم ، واحزانهم وانشغالاتهم ، يحملون على اكتافهم اثقال الحياة مثلما تحمل ملامح وجوههم الاحزان يومياتهم منحصرة في اجر زهيد هذا كل ما يجنيهم الحمالين او العتالين من يوم عمل شاق ، مهنة العتالة بالنسبة للكثير شاقة وتتسبب في امراض واصابات والكثير يمارسون مهنة الحمال لكن دون تامين ولا ضمان اجتماعي ، يقول احد الحمالين ليست هذه المهنة التي تؤمن لك اعالة ابناءك و عائلتك ، المشتغل بهذه المهنة بلا مستقبل ولا تامين ويعمل الى ان يجد نفسه مصابا بالشيخوخة المبكرة ، يجمع عدد من الحمالة في الجزائر ان ثمة شعور بالمهانة يحسون بها وهم يمارسون هذا العمل ، مهنة العتالة يعتقد الكثيرون انها انقرضت لكنها في واقع الأمر لا تزال قارة لدى كثير من الجزائريين الشرفاء الرافضين مد يدهم للغير.
الأجسام والعربات وسائل يعتمد عليها الحمالون
يعتمد الكثير من الحمالون على وسائل مختلفة في عملهم حيث يفضل كثيرون أجسادهم والاعتماد على انفسهم ، فيما يستأجر اخرون عربات صغيرة يضعون فيها السلع والصناديق وحسب الكثيرين فان العربة تساعدهم على رفع كمية اكبر من السلع تصل الى حدود عدة قناطير في الدفعة الواحدة ، عوضا من الانتقال بعدد محدد من الصناديق في الشاحنات او في مربعات البيع بالأسواق ، وعلى عكس هؤلاء هناك فئة أخرى من الحمالين لا ترضى بديلا عن اجسامهم لحمل الصناديق قد يخسرون بعض الوقت لكنهم يعملون بأريحية اكثر حسب رايهم يلتحق اغلب الحمالين بمواقع عملهم ابتداء من الرابعة صباحا حيث يصطفون عند مداخل الأسواق على امل الظفر بعمل في ذلك اليوم ، وهو ما قد لا يتحقق بالنسبة للبعض ، غير ان الامل يبقى قائما لديهم الى ساعات متأخرة ولو قبيل انتهاء الدوام بساعات يقول بعضهم ان الظفر بزبون ليس سهلا ويتوقف على معرفتك بالناس والتجار وكذلك التفاني في العمل ومع مرور الوقت يكتسب الحمال سمعة ويطلبونه بالاسم.
مشاكل صحية بالجملة
مع مرور الوقت، يشتكي أغلب الحمالين من آلام في الظهر والصدر والعمود الفقري، وذلك نظرا للأثقال التي يرفعونها وكذلك للبرد الشديد الذي يتعرضون له في ساعات الصباح الباكر في فصل الشتاء ، كل هذه الامراض يواجهون اعباءها لوحدهم في ظل غياب الحماية والتامين الاجتماعي على اعتبار انهم مستقلين ما عدا عدد قليل منهم استفاد من التامين لأنه يعمل بشكل دائم ومستقر ، ورغم ان الضمان الاجتماعي بادر بصيغة تحمي هؤلاء الا ان اغلبهم لم يقبلوا عليها بسبب جهلهم او بسبب استهتارهم وتماطلهم.
الشاب مراد: أمتهن العتالة لإعالة عائلتي
الشاب مراد شاب في مقتبل العمر في منتصف العشرينيات فتح قلبه للحديث عن امتهانه لمهنة العتالة قائلا منذ صغري وانا اشاهد والدي رغم مرضه انه يقوم بحمل أكياس السميد والفرينة مقابل دنانير معدودة حتى يوفر لنا كيس من الحليب والخبز وارى امي تعمل في بيوت الناس لإعالة ابي على المعيشة وفي كل مرة ينفطر قلبي على أوضاع عائلتي وتعب ابي وشقاء امي ورغم صغر سني لم استطع مواصلة تعليمي مثل بقية اقراني فاضطررت لمساعدة ابي في العمل كحمال عند بائع الجملة للسميد والفرينة نقوم بتفريغ السلع من الشاحنات او قيام بتوصيل أكياس السميد والفرينة لبعض الزبائن ، صحيح ان العمل شاق جدا ومتعب الا انني في كل مرة تخر فيها قواي او اشعر فيها بالتعب استحضر صورة ابي وامي واخوتي فأجدني اقبل على العمل بكل قوة وحزم وأضاف الشاب مراد ان العمل كحمال متعب جدا وشاق لكن لا يوجد خيار اخر فهو لم يكمل تعليمه ولا يملك شهادات فالمهم عنده هو الرزق الحلال فقط لا غير الذي يعيل به عائلته وينقص عبء المعيشة على ابيه وامه ومساعدتهم على تحمل مسؤولية أعباء الحياة.
عمي الجيلالي: أعاني داء الدوالي جراء الوقوف الطويل
عمي الجيلالي في منتصف الخمسنيات من العمر يحدثنا قائلا انه متزوج واب لـ 5 أطفال امتهن مهنة العتالة منذ ان كان في نهاية العشرينيات وذلك بعد ان أقفلت الشركة التي يعمل فيها أبوابها وتم طرد موظفيها فلم يجد من حل أمامه سوى التوجه الى سوق الخضر والفواكه بـ ” الروفيقو” وبعدها بدا ينتقل على محلات الجملة ويضيف عمي الجيلالي كلامه بكل حسرة والم قائلا الان تقدمت في العمر وأصبحت بطيء الحركة ولا اقوى على التحمل وهو ما يجعل أصحاب الشاحنات يعزفون عني فهم يفضلون الشباب الأقوياء يقول عمي الجيلالي ان ما يجنيه في يومه قليل جدا لا يكفي لسد رمق عائلته بأبسط ضروريات الحياة البسيطة لكنه يحمد الله انه يأكل الخبز والماء وراسه مرفوع وضميره مرتاح لأنه يعمل بجد لكسب لقمة الحلال كما أضاف انه مجبر على حمل الاثقال لكسب قوت يومه ولو بشراء الخبز والحليب يوميا وأوضح عمي الجيلالي انه يعاني من داء الدوالي جراء الوقوف الطويل والثقل لكنه لم يجد عملا افضل من مهنة العتالة.
الحاجة تدفع إلى العمل في العتالة
رغم التعب والجهد مهنة العتالة هي مهنة لا يفكر في امتهانها أحد ، الا عند الحاجة الملحة للمال والحصول على قوت اليوم ، لأنها ببساطة المهنة المتوفرة بلا شهادات ولا مستوى تعليمي ، ويركز من يرغب في عملها على البنية الجسدية وقوة التحمل والصبر، وتبقى ممارستها الصعبة في مخاطرها ، الحمالون او العاملون اليوميون اغلبهم يتراوح سنهم ما بين 18 سنة حتى 65 سنة نجدهم خصوصا في أسواق الجملة لبيع المواد الغذائية والخضر والفواكه والاثاث ، همهم وانشغالهم واحد هو الاجر والتامين الاجتماعي والتقاعد ، لم يكن سهلا ان يتحدث هؤلاء عن ضياع سنوات من عمرهم للحديث عنها بكلمات بسيطة هم يتذكرون الخطر وظهورهم شبه مكسورة من شدة التحمل والتعب ، اغلبهم من الشباب دون مستوى تعليمي يحلمون بعمل اخر وتقاعد محترم ، من منا لم يصادف الحمالين او العتالين وهم يحملون فوق ظهورهم وأيديهم و أكتافهم حمولة ثقيلة على مدار الساعات ولا أحد فكر ما الذي دفعهم لامتهان هذه المهنة التي يبقى عنوانها العريض ” التعب والقهر والخطر” لم يكن سهلا الحديث مع هؤلاء عن واقعهم المعيشي من شدة الخجل وان تحدث الينا البعض منهم الا ان مطالبهم واحدة وهي توظفيهم بشكل رسمي حتى يستفيدوا من الضمان الاجتماعي ومن تقاعد يرحمهم مستقبلا.
السيد عبد الله: الخبزة من دفعتني للحمالة ولا أتمناها لأولادي
يرى السيد عبد الله في بداية الاربعينيات بأنه أفنى عمره في الحمالة بسبب غياب مناصب العمل وهي المهنة الشريفة التي لا يتمناها لأولاده لأنها رمز الشقاء والتعب ويلخص معاناته بقوله “الخبزة من دفعتني للحمالة حتى اعيل عائلتي بالحلال” يقول عبد الله الذي تحس من تجاعيد وجهه ونظرات عينيه بانه يتعب ويشقى كثيرا وبشكل دائم ، حتى اصبح لا يشعر أساسا بالتعب ، لان قدره ان يعمل في العاصمة وهو من احدى الولايات الداخلية ، اضطر لبناء بيت فوضوي يأويه ويأوي بقية افراد عائلته و أوضح السيد عبد الله ان أولاده لا يجدون حرجا اطلاقا في قول كلمة “ابي حمال” خصوصا عندما يسأل الأبناء عن مهنة آبائهم في المدرسة لانهم لا يخجلون بعمل ابيهم الذي يتعب ويشقى لكي يطعمهم اكل حلال من عرق جبينه وتعبه وشقائه ، ويضيف السيد عبد الله انه لم يجد عمل اخر يعيل به عائلته ولكنه يحمد الله على نعمته ورزقه ويضيف قائلا أريد ان يكمل اولادي دراستهم ويتخرجوا من الجامعات بشهادات تضمن لهم عمل بمستواهم مضيفا ان العمل كحمال ليس عيبا ما دام عمل شريف لكنه متعب وشاق جدا حيث يقول انه يضطر أحيانا للعمل ليلا وتفريغ السلع والبضائع في السمار لرفع اجره كلما استطاع ذلك ، ويقول عبد الله بانه لم يفكر يوما ان يصبح حمالا ويحلم الا ينهي حياته في هذه المهنة التي كسرت ظهره.
حمالون في عمر الستين
رغم تقدم العمر بعدد من الحمالين وتخطيهم عتبة الستين ، الا انهم لا زالوا ينشطون ، لا يكلون ولا يملون يعملون بروح الشباب في العشرين وان كانت مظاهر التعب والشقاء مرسومة على وجوه معظمهم وعلامات الشيب غرت لحاهم وشعر رؤوسهم ، وحسب عمي مسعود البالغ من العمر 65 عاما فإن العمل لا يعرف عمرا متى توفرت الصحة الجيدة ويضيف ذات المتحدث قائلا الحمد الله لا أشعر بالتعب فجسمي تعود على النشاط ولست الوحيد هنا، حيث يوجد معي أشخاص شارفوا على السبعين ورغم هذا لا زالوا يعملون المهم اننا نسعى لكسب لقمة الحلال رغم التعب والجهد والشقاء ولا نمد أيدينا لأحد.




