عاطف الحاج سعيد لــ “24 ساعة”: أغلب كتّاب السُّودان من البروليتاريا وفوزهم بجوائز مهمّة ليس مستغربًا

عاطف الحاج سعيد، روائي ومترجم سوداني من مواليد منتصف سبعينيات القرن الماضي، صدرت له عددٌ من الروايات، منها “غراميات استثنائية فادحة” التي عالجت سردياً حياة أربع شخصيات سودانية وجدت نفسها عالقة في معسكر كبير للاجئين بفرنسا في ظروف بالغة التعقيد، لم تحاول هذه الرواية وصف معاناة هذه الشخصيات اليومية ولا المصاعب التي تواجهها بل سعت لأن تذهب إلى ما وراء ذلك لتختبر سردياً وجمالياً ما تلقيه هذه التجربة على بنيتها النفسية وحجم الخراب الذي يمكن أن تحدثه بها، ورواية “شمسان على النيل” التي عالجت مسألة التحول الجنسي.
يعكف عاطف سعيد، منذ عامين، على ترجمة أعمال الكاتبة الفرنسية آن بوريل التي صدر منها بالعربية حتى الآن “حانة جران مدامز”، و”غواية الثلج”، وستصدر قريباً “ملك النهار والليل”.
حصل عاطف على عدد من الجوائز والمنح الأدبية والترجمية من بينها جائزة الطيب صالح للرواية في السودان، وجائزة توفيق بكار للرواية العربية في تونس، ومنحة الكتابات الإبداعية والنقدية المقدمة الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق) ببيروت، وحصل مؤخراً على منحة “إقامة مترجم” المقدمة من المركز الوطني للكتاب في باريس بغرض التفرغ لإكمال ترجمة رواية “ملك النهار والليل” من الفرنسية إلى العربية.
حوار/ أحمد بن رابح

بما أنك تعمل مترجماً للغة الفرنسية هل فكرت في الكتابة بهذه اللغة أو ترجمة أعمالك الأدبية إليها؟
لم أفكر يوماً بأن أكتب بعض أعمالي الأدبية بالفرنسية أو أن أترجم بنفسي أعمالي الأدبية إليها، ذلك لأن كفاءة التعبير الأدبي المعقد باللغة الفرنسية لديّ تظل محدودة نسبة لأن هذه اللغة الأجنبية تعتبر لغة وظيفية بالنسبة لي بدأت تعلمها وعمري أكثر من خمسة وعشرين عاماً، على النقيض من ذلك، فإن كفاءة التلقي لديّ في هذه اللغة عالية جداً، وهو أمر طبيعي ومفهوم بالنسبة للمختصين في اللغويات التطبيقية وبناءً عليه فإنه، من الناحية المهنية البحتة، ينبغي على المترجم أن يترجم من اللغة الأجنبية إلى لغته الأم، وهناك تحفظات كثيرة على قيام المترجم بالترجمة من لغته الأم إلى اللغة الأجنبية مهما كانت درجة إجادته لهذه الأخيرة إلا في حدود، يمثل هذا المبدأ معياراً مهماً لتوظيف المترجمين في المؤسسات الدولية الكبرى (الأمم المتحدة ووكالاتها مثلاً).
يمكنك أن تلقي نظرة على تاريخنا الأدبي لتفهم هذا المبدأ على نحو جيد؛ لم يقم، مثلاً، عبقري الرواية العربية الطيب صالح بترجمة أي من أعماله الأدبية إلى الإنجليزية رغم أنه ثنائي اللغة تلقى كل تعليمه النظامي في السودان وبريطانيا باللغة الإنجليزية وعاش أكثر من ثلثي حياته في بريطانيا، كذلك لم يقم الكاتب الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا بترجمة أي من رواياته إلى الإنجليزية رغم أنه كان يتحدث الإنجليزية مثل أهلها، وحتى عندما كتب روايته (صراخ في ليل طويل- Cry in a Long Night) باللغة الإنجليزية لم ينشرها بل أعاد كتابتها باللغة العربية ونشرها بعد ذلك، أيضاً لم يترجم الروائي الجزائري واسيني الأعرج أعماله إلى اللغة الفرنسية رغم أنه يجيدها أكثر من بعض أهلها بحكم نشأته في بلد فرانكفوني وعمله أستاذاً للأدب بجامعة السوربون في باريس، وأيضاً الروائي الياباني هاروكي موراكامي الذي يجيد اللغة الإنجليزية إجادةً تامة وترجم عدداً من الأعمال الأدبية للروائي الأمريكي ف. سكوت فيتزجيرالد إلى اللغة اليابانية ومنها رواية “غاتسبي العظيم” ، والتي اشتهرت أكثر بعد تحويلها إلى فيلم سينمائي من بطولة ليوناردو دي كابريو، لكن لم يتجرأ موراكامي على ترجمة أي من أعماله إلى اللغة الإنجليزية.
لكن في بعض الأحيان يحاول الكتاب/المترجمون الذهاب في الاتجاه المعاكس، بالكتابة في اللغة الأجنبية أو الترجمة إليها؟
نعم يحدث ذلك كثيراً، لكن غالباً ما تكون المحصلة غير مرضية؛ مثلاً قام فادي نون، وهو صحفي فرانكفوني لبناني، بترجمة “موسم الهجرة إلى الشمال” إلى اللغة الفرنسية ونشرت الترجمة في العام 1972 وكان فادي وقتها في بدايات حياته العملية، لكن الترجمة لم تستطع أن تنقل النص الأصلي بكل حمولاته التي أرادها الكاتب في نصه إلى اللغة الفرنسية، ونتيجة لذلك لم تحظ الترجمة باستقبال جيد من القراء الفرانكفونيين، فاضطر فادي نون إلى إعادة ترجمة الرواية بمعاونة فرانكفوني عتيد هو الفرنسي التونسي عبد الوهاب المدب، ونشرت الترجمة الجديدة في العام 1983م ولقيت نجاحاً كبيراً في البلدان الفرانكفونية.
كيف ترى مسألة كثرة الروايات المنشورة في البلدان العربية؟
أنا لا يزعجني كثرة الروايات المطبوعة والمتداولة وأرى فيها شيئاً ايجابياً في المجمل، أنا أدافع عن ديمقراطية الكتابة، بأن يكتب كل أنسان ما يريد، لكن أُفضل أن يتريث الكاتب قبل أن ينشر ما كتبه. استعجال البعض لأن يسبق اسمه لقب (كاتب) قد يتسبب بأضرار لمشروعهم الكتابي، ويظل عدم التريث في النشر هو المسؤول الأول عن أطنان الكتب الرديئة التي تملأ أرفف المكتبات وأرصفة الطرقات وتسببت في أن تصبح القاعدة الذهبية للقارئ: أنّ كل كتاب رديء إلى أن يثبت العكس. بالنسبة لي أيضاً ليس هناك كاتب رديء بل هناك كاتب غير متريث في النشر. فالكتابة الرديئة تمثل خطوة مهمة نحو الكتابة المبدعة بشرط تَمثّل هذه القاعدة جيداً.

وماذا عن المسابقات الأدبية التي تكاثرت أيضاُ بشكل ملحوظ؟
أرى أنّ المسابقات الأدبية أصبحتْ عنصراً لا يمكن تجاهله ضمن العناصر التي تشكل المشهد الأدبي في منطقتنا العربية، وأرى أنها تؤدي مهمةً عظيمةً في سياق عملية الإنتاج الأدبي بمكوناتها المعروفة؛ الكاتب والناشر والكِتَاب والقارئ، فهي تقوم الآن بدور الميسر بين الكتاب والقارئ، ذلك لأنها تساعد هذا الأخير على اختيار وإعداد قوائم القراءة الخاصة به.
نعلم جميعاً أنّ كثيراً جداً من القراء ينتظرون قوائم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) وقوائم جائزة الشيخ زايد للكتاب ليختاروا منها ما يناسب ذوقهم القرائي، وكما نلاحظ أيضاً أن الروايات التي يوضع على غلافها ديباجة تشير إلى أنها حاصلة على جائزة الطيب صالح العالمية أو جائزة توفيق بكار أو جائزة كتارا، على سبيل المثال، فإن حظوظها في التوزيع أفضل من غيرها، فالقارئ يعرف أن عملية اختيار الروايات الفائزة في مسابقة ما تمر بعملية تمحيص نقدي على يد مختصين في النقد الأدبي والدراسات الأدبية مما يعني أن الرواية الفائزة قد خضعت لاختبار الكفاءة الأدبية واجتازته بنجاح مما يقلل مخاطر الوقوع في عمل أدبي غير مناسب. ومن هذا المنظور، فإن الجوائز تقوم بعملية التنويه النقدي للأعمال الأدبية الجديدة.
أيضاً تساعد الجوائز الكتاب الحاصلين عليها بمنحهم تقديراً أدبياً يحفزهم على المزيد من الكتابة، وبمنحهم مبلغاً مالياً يعينهم على مغالبة متطلبات الحياة فيصفو مزاجهم للتأليف، من المعلوم بالضرورة أن أغلب الكتاب العرب من طبقة الفقراء لأن صناعة النشر في منطقتنا متأخرة وتعاني من معضلات كثيرة.
بالطبع ليس الجوائز خيراً مطلقاً، بل فيها من الجوانب السلبية ما لا يمكن تجاهله، ومنها أن بعض إدارات الجوائز تختار أعضاء لجان تحكيمها من غير المختصين في الأدب ودراساته فينتج عن ذلك حصول بعض الروايات على جوائز مهمة دون أن تستوفي الحد الأدنى من شرط النوع الأدبي مما يضعف مصداقية هذه الجوائز فيفقد القارئ ثقته في اختياراتها. من المساوئ أيضاً محاولة بعض الكتاب تتبع مسار جائزة ما ورصد نوعية الأعمال الفائزة بها من حيث الأسلوب والثيمات ثم مجاراتها لزيادة فرصهم في الحصول على هذه الجائزة، وأسمى هذا النوع من الكتابة بــ “كتابة الجوائز”، وهي مضرة بالكتابة الأدبية لأنها، عند تراكمها، قد تصنع نموذجاً يهتدي به كثير من ناشئة الكُتّاب.
يلاحظ أن الأسماء السودانية الحاصلة على جوائز عربية كلها من المغتربين خارج السودان بما فيهم أنت؟
ليس الأمر صدفة أن يكون جميع الكتاب السودانيين الفائزين بجوائز عربية مهمة من المغتربين، وهو شيء مفهوم ومبرر. نعلم جميعاً أن السودان يمر بظروف اقتصادية قاسية، وأن أغلب الكُتّاب في السودان من (بروليتاريا البروليتاريا)، كانوا سابقاً ضمن الطبقة الوسطى المدينية التي انسحقت مع سياسات اقتصاد السوق (مدرسين، موظفين حكوميين، صغار أطباء، محامين، خريجين بلا عمل)، وأصبح همهم أن يواجهوا هذه الظروف بالعمل في أكثر من وظيفة ولأكثر من دوام، فعندما يصبح الاختيار بين ورقة بيضاء عذراء تنادي ومتطلبات حياتية أولية لا يمكن تأجيلها فسيخصى القلم.
يضاف إلى ذلك أن الروابط الأسرية الممتدة والعلاقات الاجتماعية المتشعبة للكاتب، وهما أمران ايجابيان، يفرضان الكثير من الواجبات التي تستهلك وقتاً كبيراً خصماً على أي وقت يمكن تخصيصه للكتابة. أنا عشت التجربتين، لم أكتب ولا حرفاً واحداً أثناء عملي بجامعة السودان لمدة ثماني سنوات، كان من المستحيل مع واجباتي المهنية التي أمارسها في أكثر من مكان ومع التزاماتي الأسرية والاجتماعية أن اكتب سطراً واحداً، ثم غادرت السودان بعدها واستطعت، بما توفر لي من ظروف، أن ألبي نداء الورقة البيضاء. لا تعلو موهبة كتاب الخارج (المغتربين) على موهبة كتاب الداخل وشخصياً لا أفضل أن نروج لهذا الـ (dichotomy) بل أفضل أن ننظر للمسألة في سياقها الطبيعي وهي بأن كاتبا من الداخل، يعيش في بيئة غير داعمة، انتقل لأسباب مهنية أو غيرها إلى بلد آخر، فتوفرت له بيئة داعمة لموهبته الأدبية، فانطلق.




