ملف الساعة

طهران وواشنطن بين اختبار القوة وتثبيت التفاهمات: هل اقترب اتفاق الإطار؟

طهران: علي الموسوي

تتجه المفاوضات الإيرانية الأمريكية نحو مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ أشهر، في ظل تداخل غير مسبوق بين المسارين العسكري والدبلوماسي، وظهور مؤشرات على انتقال الطرفين من مرحلة إدارة التصعيد إلى محاولة صياغة تفاهمات تمنع الانفجار الكبير في المنطقة.

في هذا السياق، حملت التصريحات الأخيرة الصادرة عن كبار المسؤولين الإيرانيين رسائل متعددة الأبعاد، داخلياً وخارجياً، تؤكد أن طهران تريد التفاوض من موقع “الصمود” لا من موقع التراجع، وأن أي اتفاق محتمل يجب أن يُبنى على قاعدة تثبيت ما تعتبره إيران حقوقاً سيادية واستراتيجية.

أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محمد باقر ذو القدر بعث برسالة واضحة إلى الداخل الإيراني وإلى واشنطن في آن واحد، حين أكد أنه “لن يكون هناك أي تراجع”، وأضاف: الآن يحتاج البلد إلى الوحدة والانسجام أكثر من أي وقت مضى، حتى يصاب الأمريكيون والصهاينة بالخيبة في هذا المجال أيضاً، معتبراً أن ما جرى خلال المواجهة الأخيرة أظهر تماسك الساحة العسكرية والدبلوماسية والشعبية في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.

هذا الخطاب لا يعكس فقط موقفاً سياسياً، بل يشير إلى أن المؤسسة الأمنية الإيرانية تسعى إلى تثبيت رواية مفادها أن الولايات المتحدة فشلت في فرض شروطها بالقوة، وأن المفاوضات الجارية اليوم هي نتيجة توازن ردع جديد فرضته التطورات الميدانية.

وفي الاتجاه نفسه، جاء خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، خلال لقائه ممثلي القطاع الخاص، حيث ربط بين الحرب الاقتصادية والمفاوضات الجارية، مؤكداً أن الحكومة الإيرانية لن تخضع “للضغوط والمطالب المتعجرفة”، وأن مسار التفاوض صُمم لضمان حقوق الشعب الإيراني كاملة.

وفي هذا الاجتماع أكد بزشكيان، على ضرورة التآزر الوطني لتجاوز الظروف الاقتصادية والدولية المعقدة، مشيراً إلى أن التقدم والإعمار والتنمية في البلاد لن تتحقق إلا بمشاركة جميع المخلصين لإيران الإسلامية، وأن الحكومة لا تعتبر القطاع الخاص خصماً لها، بل شريكاً استراتيجياً في تنمية البلاد.

وأضاف الرئيس الإيراني: في ظل الظروف التي يركز فيها العدو، بعد فشله في الميدان العسكري، على الحرب الاقتصادية، فإن الحكومة والقطاع الخاص، بتضامنهم وتكاتفهم وتعاونهم المشترك، سيعبرون هذه المرحلة بنجاح أيضاً.

ويبدو أن طهران تحاول من خلال هذا الخطاب المزدوج الجمع بين أمرين متوازيين:

أولاً، طمأنة الداخل الإيراني بأن أي تفاهم مع واشنطن لن يكون على حساب الثوابت الاستراتيجية.

وثانياً، توجيه رسالة إلى الأسواق والقوى الاقتصادية بأن الدولة تتجه نحو احتواء آثار الحرب والانفتاح على مرحلة استقرار اقتصادي نسبي إذا نجحت التفاهمات الإقليمية والدولية.

اللافت أن هذا الحراك السياسي تزامن مع توجه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى الدوحة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها جزء من المسار التفاوضي غير المباشر الذي تشارك فيه أطراف إقليمية، خصوصاً قطر وباكستان، منذ أسابيع بهدف تثبيت وقف التصعيد وفتح الطريق نحو اتفاق إطار بين طهران وواشنطن.

وتشير المعطيات المتداولة في الأوساط الدبلوماسية الغربية إلى أن المباحثات الحالية لم تعد تقتصر على الملف النووي فقط، بل تشمل ترتيبات أوسع مرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، ووقف العمليات العسكرية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى ترتيبات أمنية إقليمية قد تكون جزءاً من تفاهم أكبر ترعاه قوى إقليمية ودولية.

في المقابل، تبدو الإدارة الأمريكية حريصة على إبقاء سياسة “العصا والجزرة” قائمة حتى اللحظة الأخيرة.

فالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب أعلن خلال الأيام الأخيرة أن الاتفاق مع إيران “تم التفاوض عليه إلى حد كبير”، وأن اللمسات النهائية فقط ما تزال قيد النقاش، مشيراً إلى أن الاتفاق المحتمل قد يتضمن ترتيبات مرتبطة بإعادة فتح وتأمين الملاحة في مضيق هرمز.

ولكنه عاد اليوم ليقول في منشور عبر منصة تروث سوشيال، إن التفاوض بشأن الاتفاق مع إيران “لم يُستكمل بصورة كاملة حتى الآن“.

وأضاف أنه في حال توصله إلى اتفاق مع إيران، فإنه سيكون “اتفاقاً جيداً ومناسباً، وليس كالذي أبرمه باراك أوباما، والذي منح إيران مبالغ نقدية ضخمة ومساراً واضحاً ومفتوحاً نحو امتلاك سلاح نووي“.

وقال ترامب: “اتفاقنا يمثل النقيض التام لذلك، غير أن أحداً لم يطّلع عليه أو يعرف تفاصيله بعد، بل إن المفاوضات بشأنه لم تُستكمل بصورة كاملة حتى الآن“.

وعلى نهجه سار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي وجه تحذيراً واضحاً حين أكد أن واشنطن ستمنح الدبلوماسية “فرصتها الكاملة”، لكنها مستعدة لـ ”طريقة أخرى” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق جيد مع طهران.

هذا التناقض الظاهري في الخطاب الأمريكي يعكس على الأرجح وجود اتجاهين داخل واشنطن:

اتجاه يدفع نحو احتواء الأزمة عبر اتفاق مرحلي يمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، واتجاه آخر يريد الحفاظ على أدوات الضغط القصوى لضمان أكبر قدر ممكن من التنازلات الإيرانية.

كما أن التصريحات الإيرانية الأخيرة تكشف أن طهران نفسها لا تتعامل مع الاتفاق المحتمل باعتباره نهاية للصراع، بل كمرحلة لإدارة التوازنات الجديدة بعد الحرب الأخيرة، خصوصاً مع استمرار الشكوك الإيرانية تجاه النوايا الأمريكية والإسرائيلية، وتخوف المؤسسة الأمنية الإيرانية من أي محاولة لاستثمار التهدئة لإعادة ترتيب الضغوط لاحقاً.

ورغم الأجواء الإيجابية الحذرة، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الطرفين اقتربا بالفعل من صيغة “اتفاق إطار” مؤقت، يقوم على تثبيت وقف التصعيد العسكري، وتأمين الملاحة في الخليج، وفتح نافذة تفاوض أوسع لمعالجة الملفات العالقة تدريجياً.

غير أن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة الوسطاء الإقليميين، خاصة قطر وباكستان، على الحفاظ على التوازن الدقيق بين مطالب واشنطن وشروط طهران، في منطقة ما تزال تعيش على إيقاع احتمالات الانفجار في أي لحظة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى