صفحاتٌ من حياتي في الوطن والشتات حين يتحدث التاريخ… عبد الحميد مهري كما عرفته

كانت إقامتي في الجزائر بين عامي 2004 و2006 أكثر من مجرد هروب اضطراري من تضييق ما بعد أحداث 11 سبتمبر في أمريكا، بل كانت رحلة اكتشاف لحضارة نضالية، وعودة إلى الذات من خلال التفاعل مع شعب اختبر مرارة الاستعمار وعرف كيف يكتب اسمه في سجل الأمم المقاومة. وصلت الجزائر وأنا أحمل في قلبي فلسطين، وفي ذاكرتي أسماء الشهداء، وفي روحي توقٌ للحرية والكرامة، فوجدت في هذا البلد ما يشبه المرايا التي تعكس وجعنا وأملنا. كانت البداية في حي “بير مراد رايس” بالعاصمة الجزائر، ثم انتقلت إلى منطقة “المدنية”، وفي كلِّ خطوة كنت أشعر أنني أتحرك على أرض قدّستها دماء الشهداء. انخرطت سريعًا في الحياة الثقافية والدعوية؛ محاضرات حول فلسطين والانتفاضة، وكتابات في الصحف المحلية، ولقاءات مع رموز العمل الإسلامي والسياسي من أمثال الشيخ محفوظ نحناح، ورفاقه في مسيرة الحركة الإسلامية كالشيخ والأديب أبو جرة سلطاني، والشيخ عبد الله جاب الله، والداعية المربي محمد بوسليماني. لكن اللقاء الذي ما زال يحفر في ذاكرتي حتى اليوم، كان مع المجاهد والمفكر الكبير سي عبد الحميد مهري، الرجل الذي كان بحق “ضمير الجزائر” وصوتها الحكيم في زمن التشوش والانقسام. لقاء رجل بحجم وطن تم الترتيب للقاء عبر صديقي الشيخ سعيد مرسي، وكان في منزل سي مهري بمنطقة “حيدرة”. جلست إليه جلسة استثنائية، امتدت لساعتين من الحوار العميق والوجداني، استعرضنا فيها تجارب شعبينا، الجزائر وفلسطين، في مقاومة الاستعمار، وبحثنا أوجه الشبه بين مسيرتيهما النضاليتين. ما أدهشني في مهري –وهو رجل تجاوز السبعين يومها– تلك الذاكرة الحاضرة والقدرة الفائقة على التحليل السياسي، والتأريخ الدقيق لتجربة الثورة الجزائرية، بما فيها من بطولات وأخطاء. لم يكن مجرد مؤرخ للماضي، بل ناقد نزيه له، يقدم دروسًا مستخلصة من التجربة، ويعرضها بنَفَس المصلح لا المتفاخر. حين انتقل الحديث إلى فلسطين، شعرت أنني أمام رجل عاش قضيتنا كما لو كانت قضيته الشخصية، قال لي يومها:
“الذين يفاوضون من دون أوراق قوة، هم كالذين يدخلون معركة بلا سلاح… أنتم في فلسطين تحتاجون إلى مقاومة ذكية، لا مجرد بطولات عاطفية، والتفاوض يجب أن يكون ذروة القوة، لا ثمرة ضعف”.
ثم أبدى عتبًا صادقًا على القيادة الفلسطينية التي –كما قال– لم تُحسن قراءة الدرس الجزائري، واندفعت إلى أوسلو دون تحصينات سياسية أو شعبية كافية، فكان ما كان من ضياع المسار وانقسام الصف. مهري ونصائحه للإسلاميين سألتُه عن رأيه في العشرية السوداء، وما عرفته الجزائر من اقتتال داخلي في سنوات التسعينيات، فكان جوابه واضحًا وصادمًا في عمقه:
“أخطأ الإسلاميون حين استعجلوا جني الثمار دون تأهيل المجتمع، وأخطأت السلطة حين أغلقت أبواب الحوار، فكان الدم هو الحَكم. لا أحد انتصر في تلك الحرب، إلا من أراد للجزائر أن تتفتت”.
وكان نصحه الدائم للشباب الإسلامي: التدرج، والتأني، والعمل على توسيع دائرة الإجماع، والابتعاد عن منطق المغالبة، قائلاً:
“من لا يتقن فن التنازل المرحلي، لن يفلح في الإمساك بالسلطة ولا بناء الدولة”.
وقد أخبرني بأنه كان يجلّ الشيخ محفوظ نحناح، ويعتبره من الأصوات العقلانية في الحركة الإسلامية، وكان بينهما احترام متبادل رغم الاختلاف في بعض الرؤى. وأنا شخصيًا وجدت في الشيخ نحناح (رحمه الله) نموذج القائد الإسلامي الذي جمع بين الدعوة والسياسة، وبين الوطنية والانفتاح على العالم. ذاكرة من ذهب في الحقيقة، لم يكن سي عبد الحميد مهري فقط أمينًا عامًا لجبهة التحرير الوطني، أو وزيرًا في أكثر من حكومة، بل كان ذاكرة وطنية ناطقة، ورمزًا للوحدة والتعقل في زمن الاستقطاب. أُطلق عليه بحق لقب “الحكيم الذي سبق عصره”، لأنه أدرك مبكرًا أن المصالحة الوطنية ليست ضعفًا، بل هي القاعدة التي تُبنى عليها الدول السوية. شارك سي مهري في مبادرة “العقد الوطني” مع المعارضة الجزائرية في التسعينيات، ورأى أنَّ الحلَّ لا يأتي بالبندقية وحدها، بل عبر الحوار السياسي الذي يُشرك الجميع ويُنهي منطق الإقصاء. ولذا، تعرض للإقصاء نفسه، لكنه ظل شامخًا، محتفظًا باحترام خصومه قبل أصدقائه. صوت فلسطين في قلب جزائري لم تكن فلسطين بالنسبة له مجرد شعار يُردد في الخطب، بل كانت التزامًا أخلاقيًا وسياسيًا. قال لي ذات مرة، بنبرة فيها مزيج من الأسى والفخر:
“نحن حاربنا فرنسا 132 سنة، لكننا لم نتنازل عن هويتنا، فكيف يُطلب منكم أن تتنازلوا عن القدس؟! اصبروا… فالمستقبل للمقاومين”.
كان حادًّا في انتقاده لاتفاق أوسلو، ورافضًا لأي حلول تُفرّط بحق العودة أو تقبل بدولة بلا سيادة. كان يرى أن التفاوض لا يكون من موقع الاستجداء، بل من موقع من يملك أوراق القوة. وكان ينصح القيادات الفلسطينية بالإفادة من تجربة الجزائر، التي قاومت ثم فاوضت، ولم تنكسر في معادلة التوازن. في وداعه.. وداع الجزائر لعقلها الكبير رحل سي عبد الحميد مهري في يناير 2012، لكنه بقي حيًّا في ذاكرة الجزائر، وفي قلبي أنا كذلك. كان نموذجًا نادرًا للسياسي المثقف، وللقومي المعتدل، وللمناضل الذي لم تُفقده دهاليز السلطة بوصلته الأخلاقية. حين أتذكّره اليوم، أزداد يقينًا بأن أمتنا لا ينقصها الأبطال، ولكن ينقصها الحكماء. وسي مهري كان أحد هؤلاء القلائل الذين مزجوا بين الحلم القومي، والحكمة الواقعية، والإيمان العميق بأن فلسطين تبقى البوصلة، وأن التغيير السلمي هو الطريق الأطول، لكنه الأكثر أمانًا. ختامًا، كانت إقامتي في الجزائر مليئة بالذكريات، لكن لقائي بسي عبد الحميد مهري كان نقطة تحوّل… لقاء رجل من ذهب في زمن انكسر فيه الكثيرون. ومن يكتب عن سي مهري، لا يكتب عن فرد، بل عن جيل كامل من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبقوا أوفياء للأوطان والقضايا، حتى النفس الأخير. رحم الله سي عبد الحميد مهري… فقد كان من طينة الرجال الذين إذا رحلوا، ظل أثرهم ماثلاً في الوعي، وصدى كلماتهم يتردد في ضمير الأمة. كان سي مهري حكيمًا في زمن القسوة، وقوميًا في زمن التشرذم، ومناصرًا لفلسطين حتى آخر رمق. إنَّ مثلَ هؤلاءِ في سجل الخالدين صفحاتٌ لا تُنسى…




