ثقافة وفن

“شرفة قصر الحيران”.. رواية عن العشرية السّوداء في الجزائر

يغوص الروائيُّ، حسام الدّين حمادي، في عمله السّردي “شرفة قصر الحيران.. رائحة الليل والدم” (دار الماهر للنشر والتوزيع/ الجزائر)، ليروي أحداث قصّة واقعية تدور حول عائلة بسيطة مكوّنة من عشرة أفراد (الجد، والجدة، وابنيهما، والأحفاد)، كانت تسكن بقصر حجري رحيب، بقرية أولاد صالح الجبلية ببلدية تاشتة الواقعة بين حدود ولايتي عين الدفلى والشلف (غرب الجزائر)؛ نشأت على القيم والمبادئ الإنسانية السامية، والاحترام، والاستقرار والسّكينة، إلا أنّ تأزُّم أوضاع البلاد وعدم الاستقرار الأمني، قلب حياة العائلة رأسًا على عقب، ودخلت في دوّامة من الحزن والفواجع، بسبب تمرُّد أحد أفرادها المدعو “فاتح” وصعوده إلى الجبل رفقة زوجته “نصيرة”، والتحاقه بالجماعات الإرهابية المسلحة، ثم اقتحامه القصر مع جماعته وقتل والده وابن عمّه الشرطي. من هنا بدأت الرحلة الشاقة لعبد الله (ابن عمّه وصهره)، في البحث عن الطريقة المثلى للانتقام منه، وتحرير أخته من بطشه.

تدور أحداث هذه الرواية قبل ثلاثين عامًا، إبان العشرية السّوداء، التي عاشتها الجزائر، وراح ضحيتها آلاف الجزائريين الأبرياء، ومن أبطال الرواية عبد الله، وفاتح، ونصيرة، وطاهر، وعباس، وعبد القادر، وهي تروي كيف تأزّمت الأوضاع الأمنية في القرى والمداشر، وكيف استهدفت أيادي الغدر العديد من البيوت وأراقت الدماء، ما دفع سكان القرية إلى النزوح نحو المدينة، وترك منازلهم وممتلكاتهم خوفًا على أرواحهم.

 ويُصوّر الروائيُّ كيف تمّ زواج فاتح من نصيرة، ابنة عمّه، استجابة لتقاليد وأعراف القرى والمداشر، وذلك بمباركة الجد، لكنّ نصيرة كانت مشاعرها متحفظة، إذ لم تكن متحمّسة للزواج بسبب التغيُّر المفاجئ في شخصية فاتح، وظهور بوادر عن تشدُّده في الدين، كما كان كثير الخروج في أوقات متأخرة من الليل، قبل صعوده إلى الجبل، وهي المصيبة التي لم تقف عند هذا الحدّ، فقد رافقته زوجته إلى هناك، بعدما أقنعها بهذه الخطوة.

وعند اقتحام أفراد الجيش الوطني القصر وتفتيشه صار فاتح مادة دسمة في حديث أهل القرية، بعد التأكد بأنّه العقل المدبّر للمجازر التي ارتكبت في القرية، إذ كان يُزوّد الإرهاب بالمعلومات في سرية تامّة، وكان السبب المباشر في إصابة عمّه البليغة على مستوى السّاق، قبل أن يصعد إلى الجبل.

وتتطوّر الأحداث المأساوية لهذه القصّة، وتتوالى الفواجع على أهل القرية، وتتحوّل أيامهم، التي كان يسودها الأمان والطمأنينة، إلى كوابيس ومآسي راح ضحيتها العديد من أفراد القرية وخيرة شبابها.

يقول الروائيُّ حسام الدين حمادي، في أحد مقاطع هذه الرواية، على لسان أحد أبطال هذا العمل “توجّه ببطء نحو شرفته المصنوعة من خشب الخيزران الصّلب، حيث كانت تهبّ رائحة اللّيل والزهور، وأردف دون أن يلتفت (لا أسمح لنفسي أن أترك قصرا قضيت فيه سعادة استمرّت لعقود بهذه الطريقة الساذجة، هنا ولدت وترعرعت، وهنا كبرت وتعلّمت حبّ الحياة، وهنا أريد أن أموت..)، ثم صمت برهة وهو يُصوّب عينيه المنكسرتين نحو أشجار الكمثري الصّامتة في ضوء القمر والمستنقعات الحزينة، قبل أن يواصل كلامه متنهّدا بصوت مضطرب (آه يا فاتح كنت أرى فيك النزاهة ونظافة اليد والنيّة، ولكن للأسف الشديد تمرّدت وخنت، وها هو الشر قد جفّف منابع الحب والرحمة في قلبك وحلّ الجفاء بينك وبين أهلك)”.     

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى