سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالجزائر في حوار مع “24 ساعة”: لا مفاوضات تحت النار… والحرب فُرضت علينا وسنحدد شروط نهايتها

في خضم واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية في المنطقة، يكشف ، في هذا الحوار الخاص مع موقع “24 ساعة” عن رؤية طهران الشاملة للحرب الدائرة، واضعًا إياها في سياق تاريخي ممتد من الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويؤكد السفير أن الحرب لم تكن خيارًا إيرانيًا، بل فُرضت عليها في لحظة كانت فيها المفاوضات في مراحل متقدمة، مشددًا على أن بلاده لن تقبل بأي تسوية مفروضة، وأن إنهاء الحرب يبقى مرهونًا بشروط واضحة تتعلق بوقف العدوان ومعاقبة المعتدين
حاوره: مراد أوعباس
- في البداية، كيف تقيّمون الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اندلاع هذه الحرب؟ وهل ترونها نتيجة تراكمات سابقة أم قرارًا استراتيجياً مفاجئاً من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل؟
- برأيكم، ما الأهداف الاستراتيجية التي تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تحقيقها من خلال هذه الحرب؟ هل يتعلق الأمر بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، أم بإعادة تشكيل توازنات المنطقة، أم بفرض تسوية سياسية بشروط جديدة؟
للإجابة على هذا السؤال، لا بد من العودة قليلاً إلى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وطبيعة العلاقات بين النظام السابق في إيران مع أمريكا والكيان الصهيوني. فقد كان النظام السابق في إيران نظاماً تابعاً لأمريكا والغرب، يسير وفق قرارات وتوجهات واشنطن، ولم يكن له استقلالية في قراراته. إن انتصار الثورة الإسلامية في إيران وسقوط النظام التابع لأمريكا والمرتبط بالكيان الصهيوني شكّل نقطة البداية لعداء أمريكا والصهاينة مع الشعب وحكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومنذ ذلك الحين، سعى المحور الأمريكي الصهيوني إلى إسقاط هذا النظام الجديد. ومن أبرز خطواتهم: دعم الحركات الانفصالية، التخطيط لانقلابات، فرض الحرب الذي شنها النظام البعثي على إيران، فرض العقوبات الاقتصادية والعسكرية الجائرة، وممارسة الضغوط السياسية والإعلامية المكثفة. لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل بفضل الله، وحكمة قيادة الثورة، وحضور الشعب في الساحة، غير أن العداء استمر بأشكال مختلفة. وكان الأمريكيون يكررون دوماً أن الخيار العسكري ضد إيران مطروح على الطاولة، واتخذوا قرارات بالهجوم مرات عدة لكنهم تراجعوا لأسباب مختلفة. بل إنهم أعلنوا مؤخراً أنهم منذ عشرين عاماً كانوا يخططون ويتدربون على عدوان عسكري ضد إيران.
السؤال الجوهري هو: لماذا اختار الكيان الصهيوني وأمريكا هذا التوقيت للهجوم والعدوان المسلح على إيران؟ أولاً، تم اتخاذ هذا القرار بناءً على حسابات خاطئة، وبالنظر إلى بعض الأحداث والتطورات الداخلية والإقليمية والدولية، وكذلك إخفاق المؤسسات الحقوقية والسياسية الدولية في أداء مهامهم ومسؤولياتهم المنطوقة خاصة ما حدث من إبادة في فلسطين خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ثانياً، ووفقاً لتصريحات بعض المسؤولين السابقين والخبراء البارزين الأمريكيين، فإن إسرائيل بعد أربعين عاماً استطاعت أن تخدع الرئيس الأمريكي الحالي، مستغلة طبيعته العدوانية والمتغطرسة، وأجبرته على الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، وهو ما يخدم مصالح إسرائيل أكثر، ويفتقر إلى أدنى درجات الشرعية القانونية والسياسية والأخلاقية.
هذا العدوان وقع في خضم مفاوضات دبلوماسية مع أمريكا. ورغم عدم ثقة إيران بالطرف المقابل بسبب العدوان على إيران شهر جوان 2025 وعدم جدّية أمريكا في الحوار، دخلنا المفاوضات بناءً على طلب الدول الصديقة والجارة، حتى لا يبقى لأحد ذريعة بأن إيران لا تريد الحوار وحل الخلافات. وقد أعلنت جميع الأطراف أن المفاوضات كانت إيجابية ومتقدمة، وأكد الوسيط العُماني أن التوصل إلى اتفاق كان في المتناول. وبناءً على ذلك، جرى التخطيط لعقد جلسة لاحقة، لكن أقدمت أمريكا وإسرائيل فجأة على شن هجمات مسلحة ضد إيران. وهكذا فُرضت الحرب علينا، ولم يكن أمامنا خيار سوى الدفاع عن أنفسنا في مواجهة المعتدي.
بدأ العدوان الصهيوني–الأمريكي باغتيال قائد الثورة الإسلامية الإيرانية و استهداف البنى التحتية و الأماكن المدنية و العسكرية في ايران و منها استهداف مدرسة في منطقة ميناب التي راح ضحيتها 167 طفلاً، وكان العدو يظن أن هذه الجرائم البشعة ستؤدي إلى انهيار البنية السياسية والعسكرية للبلاد، وتفتح المجال لتغيير النظام الإسلامي وإحداث الفوضى. لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً، إذ لم يتأثر نظام إدارة البلاد، بل بدأت الردود الدفاعية القوية لإيران منذ الساعات الأولى للعدوان، وما زالت مستمرة بقوة. وقد أكد الأمريكيون في تصريحاتهم أن إيران يجب أن تستسلم، وعندما فشلوا في تحقيق هذا الهدف خلال الحرب الأولى التي استمرت 12 يوماً، وكذلك في أحداث الشغب التي عرفها شهر ديسمبر2025، قرروا بالاشتراك مع الكيان الصهيوني شن عدوان مباشر، لكنهم اصطدموا مجدداً بجدار صلب من الشعب والقوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولم يحققوا شيئاً. إنهم يكرهون الدول المستقلة وذات السيادة، وكل من يقف في وجه الهيمنة، ولهذا هاجموا إيران حتى لا تصبح نموذجاً يُحتذى به لبقية الدول.

- شهدت الحرب امتدادًا واضحًا إلى منطقة الخليج الفارسي وتأثيرًا مباشرًا على الملاحة وأمن الطاقة، كيف تفسرون هذا التحول من مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية واسعة؟
- توسّع العمليات العسكرية أثار قلقًا لدى دول الجوار، كيف تنظرون إلى انعكاسات ذلك على علاقات إيران الإقليمية، وهل كان هذا الاتساع خيارًا اضطراريًا أم جزءًا من استراتيجية الردع؟
خلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد عملية طوفان الأقصى، حذّرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مراراً من أن جرائم الإبادة التي يرتكبها الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة – بما في ذلك استشهاد وإصابة نحو مئة ألف من الأبرياء في غزة – في ظل عجز أو غياب إرادة مجلس الأمن الدولي وسائر الهيئات الحقوقية الدولية عن محاكمة ومعاقبة قتلة الشعب الفلسطيني، وبالتزامن مع الدعم المطلق من أمريكا لجرائم الكيان الصهيوني واستمرار نهجه العدواني ، ستؤدي إلى استمرار عدم الاستقرار في المنطقة واتساع رقعة الحرب والاشتباكات في غرب آسيا. لكن هذا التحذير الدقيق من الجمهورية الإسلامية الإيرانية تم تجاهله، وخلال السنوات الثلاث الماضية شهدنا اعتداءات مسلحة للكيان الصهيوني على سبع دول إسلامية وقتل آلاف من شعوبها، بما في ذلك العدوان الصهيوني–الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في جوان من العام الماضي. لذلك، وبالنظر إلى الطبيعة الإرهابية للكيان الصهيوني والنهج العدواني لأمريكا وحلفائها، كان من المتوقع أن تتوسع الحرب وتتحول إلى حرب إقليمية، وهو ما حذّر منه الشهيد قائد الثورة الإسلامية في أحد خطاباته الأخيرة.
وعليه، فإن بدء الحرب لم يكن خياراً لنا، بل بذلنا جهوداً كبيرة عبر الدبلوماسية والمفاوضات لحل المشاكل وسوء الفهم. لكن الأمريكيين والصهاينة قصفوا طاولة المفاوضات، واغتالوا قائد الثورة الإسلامية، وقتلوا آلافاً من أبناء الشعب الإيراني، وأخلّوا باستقرار وأمن المنطقة. لذلك فإن المسؤولية الكاملة عن هذا العدوان غير القانوني وتبعاته الإقليمية والدولية – خصوصاً فيما يتعلق بالطاقة – تقع على عاتق أمريكا والكيان الصهيوني، وأي احتجاج أو صرخة يجب أن تُوجَّه إلى المعتدين الأمريكيين والصهاينة. وإذا لم يُدان العدوان ولم يُعاقب المعتدون، فإن تبعات هذه الحرب ستكون أشد خطورة. ففي مواجهة الحق والباطل، لا مكان للحياد، وسيحكم التاريخ علينا في أي جانب وقفنا.
كما أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبل بدء العدوان حذّرت مراراً جميع دول المنطقة من عدم السماح لأمريكا باستخدام قواعدها العسكرية في هذه الدول لشن هجوم على إيران و سيادتها، وأكدت أنه في حال شن أي اعتداء عليها، فإنها ستدافع عن نفسها وترد على مصدر العدوان دفاعاً عن امن و سلامة شعبها. لم يكن أمامنا خيار سوى استهداف تلك القواعد العسكرية، وأي دولة أخرى لو كانت مكان إيران لفعلت الشيء نفسه، فهذا حق مشروع للجمهورية الإسلامية الإيرانية في الدفاع عن نفسها.
وباختصار، هذه الحرب فُرضت علينا، ولم نسعَ إلى تحويلها إلى حرب إقليمية. أمريكا هي التي حوّلتها إلى حرب إقليمية عبر استغلال قواعدها العسكرية في المنطقة. وبالتالي، فإن تبعات اتساع الحرب وانتشارها إلى مناطق أخرى من العالم تقع على عاتق المعتدين، أي أمريكا وإسرائيل.
أظهرت القوات المسلحة الإيرانية قدرات عسكرية لافتة خلال هذه المواجهة، ما العوامل التي مكّنت إيران من تطوير هذه القدرات رغم سنوات من العقوبات والضغوط؟
الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تعتدِ على أي بلد آخر، بل كانت دائماً عرضة للتهديد والضغط والعدوان من قبل نظام الهيمنة وحلفائه الإقليميين. حتى العدوان العسكري الذي شنّه النظام البعثي على إيران في بداية انتصار الثورة جرى بدعم أمريكا وحلفائها. حتى الاتفاق النووي لعام 2015 لم يصمد سوى بضع سنوات، وتم إلغائه من طرف الرئيس الحالي لأمريكا. وبالتالي، فإن إيران كانت دائماً في مواجهة التهديدات والعدوان الأمريكي المباشر وغير المباشر.
ونظراً لوجود الحظر التسليحي والتهديدات الخارجية، وضعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على جدول أعمالها تحقيق الاكتفاء الذاتي في الصناعة الدفاعية، واستطاعت بجهود ومعرفة شبابها أن تحقق الاكتفاء في العديد من المجالات الدفاعية. وقد أظهرت المقاومة البطولية لإيران في مواجهة القوى العظمى المتغطرسة، والرد القوي على المعتدين في حرب الـ 12 يوماً وحرب رمضان، مدى هذا التقدم في الصناعة العسكرية والدفاعية للبلاد.
ونعتقد ان استتباب الامن والاستقرار لا يتأتى بإنشاء القواعد العسكرية ولا باستيراد مختلف الأسلحة بل هو عامل ينبع من الداخل ومن إرادة الشعب، فإن القوة الحقيقية والسبب الأساسي لصمود إيران يكمن في إيمان الشعب بعقيدته الإسلامية، والقيادة الشجاعة، والارتباط الوثيق بين القيادة والشعب. فالنظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية نظام قانوني مؤسساتي قائم على الشعب، وحضور الشعب الدائم في ساحة الدفاع عن النظام والثورة الإسلامية، والتلاحم بين الشعب والدولة، كان دائماً سبب الانتصار على العدو الخارجي.
- هل تمتلك إيران، برأيكم، القدرة على خوض حرب طويلة الأمد في حال استمرار التصعيد؟ و ما محددات هذا الخيار من الناحية الاستراتيجية إليك؟
نحن نعتقد أن قضية الحرب يجب أن تُحل بشكل جذري وأساسـي، بحيث لا يتمكن العدو المعتدي من شن حرب جديدة ضد إيران كل بضعة أشهر. ولهذا السبب، أعددنا بلدنا لحرب طويلة، نحن لا نعاني من أي نقص في الإمكانات أو القدرات. في المجال العسكري، أسلحتنا كلها محلية الصنع ولا نحتاج إلى الاستيراد، وإنتاج المعدات العسكرية مستمر حتى في زمن الحرب. وفي مجال احتياجات الشعب والمواد الغذائية الأساسية، فالحمد لله كل شيء مؤمَّن لأشهر، كما أن بلدنا حقق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات، وبالتالي لا توجد مشكلة في هذه المجالات. كذلك في موضوع القوى البشرية، لدينا خبرات وكفاءات شابة جاهزة للخدمة في جميع المجالات
الشعب الإيراني كما الشعب الجزائري شعب عريق ومتجذر لا يتأثر بالأزمات، بل في مثل هذه الظروف تتعزز الوحدة والتضامن ومساعدة الآخرين. يمكنكم الآن رؤية روح الشعب في المسيرات والتجمعات في الساحات والمساجد، حيث بقي الناس في الشوارع رغم خطر القصف، وما زال هذا الحضور مستمراً. وربما يبدو غريباً أن مع بداية الحرب، كثيراً من مواطنينا الذين كانوا في الخارج بدأوا بالعودة إلى إيران، وهذا نابع من حب الوطن. العدو ارتكب خطأً استراتيجياً في حساباته، إذ راهن عليها كثيراً، لكنه أخطأ في تقدير طبيعة الشعب الإيراني في تمسكه ووحدته ضد أي عدوان خارجي.
- فيما يتعلق بمضيق هرمز، تؤكد إيران أنها لم تغلقه، وأن تراجع الملاحة مرتبط بالمخاطر الأمنية، كيف تقيّمون هذه الوضعية وتأثيرها على أسواق الطاقة العالمية؟
عندما يُشنُ أي العدوان بفعل الأعداء وتتفشى حالة انعدام الأمن في منطقة ما، فإن القدرة على ضبط تلك الأوضاع وكبح جماحها تخرج بطبيعة الحال عن السيطرة، من أيدي من بدأوها، وتمتد آثارها لتشمل المنطقة بأسرها. وينطبق هذا الأمر كذلك على مضيق هرمز.
فإيران لم تُقدم على إغلاق المضيق، بل إن حالة انعدام الأمن الناجمة عن العدوان الذي قامت به أمريكا وإسرائيل قد امتدت إلى المضيق، مما أدى إلى بث الخوف لدى شركات السفن وتعطل حركتها. وقد أعلّنا مرارا أن المضيق مغلق فقط أمام السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها، أما سائر السفن فيمكنها العبور والتنقل من خلال التنسيق مع إيران.
وفي ظل حالة الحرب، يختلف الوضع القانوني للمضيق عن الظروف الاعتيادية، وهو أمر ينبغي أخذه بعين الاعتبار، إذ تقتضي الضرورة إجراء التنسيق وفقا لمقتضيات الحالة الحربية.
وفي الوقت نفسه، فإن توقف تصدير النفط من المنطقة أدى إلى تراجع العرض وحدوث نقصٍ في الأسواق العالمية، مما أسفر عن ارتفاع الأسعار. وينبغي النظر إلى هذه التطورات بوصفها نتيجة مباشرة للتصرفات غير الرشيدة التي أقدمت عليها الأنظمة المعتدية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ إن عدوانهما على إيران أوجد حالة من انعدام الأمن في المنطقة وأدخل الاقتصاد العالمي في حالة من الاضطراب.
- الولايات المتحدة تسعى إلى حشد تحالفات لضمان أمن الملاحة في المضيق، هل تعتقدون أن هذه الجهود قادرة على إعادة الاستقرار؟ وما البدائل التي ترونها لضمان حرية الملاحة؟
وأود أن أؤكد مجددا أن استعادة الأمن الكامل والاستقرار الدائم في مضيق هرمز تقتضي إنهاء العدوان العسكري ووضع حد للتهديدات، ووقف الإجراءات المزعزعة للاستقرار التي تمارسها الولايات المتحدة وإسرائيل، مع الاحترام التام للمصالح المشروعة لإيران.
ولا توجد دولة مستعدة لأن تزج بنفسها في نزاع عبثي بسبب الأعمال غير القانونية التي يقوم بها ترامب، بل إن حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد رفض أيضا طلباته، الأمر الذي دفعه إلى توجيه اللوم إلى تلك الدول.
وبناء على ذلك، فإنّ أي مغامرة جديدة أو حشد عسكري من قبل الولايات المتحدة من شأنه أن يؤدي إلى تصعيد حالة انعدام الأمن، وتفاقم أزمة الطاقة على مستوى العالم، بل وتهديد أمن المناطق ومصادر تصدير الطاقة برمتها.
خامساً: شروط وقف الحرب والمسار الدبلوماسي
- في تقديركم، من يملك فعليًا مفاتيح إنهاء هذه الحرب؟ وهل القرار بيد الأطراف المباشرة أم يتجاوزها إلى قوى دولية أخرى؟
- ما الشروط التي تراها إيران ضرورية لوقف الحرب؟ وهناك من يعتبر أن هذه الشروط ترفع سقف التفاوض، كيف تردون على ذلك؟
لدينا، على أقل تقدير، تجربة سابقة سيئة مع وقف لإطلاق النار أعقبته مفاوضات، ثم تجدد العدوان من قبل الولايات المتحدة؛ وهذا الأمر، إلى جانب السجل الطويل للأمريكيين في نقض العهود والإخلال بالاتفاقيات، يضع أي ثقة مجددة في هذا البلد موضع تساؤلٍ عميق. ومن ثم، فإن تجربتنا في التفاوض مع الولايات المتحدة ومع مسألة وقف إطلاق النار ليست إيجابية.
ومع ذلك، فإننا لم نكن البادئين بالعدوان، ولا نسعى إلى الحرب، غير أننا في مواجهة اعتداء العدو سندافع بقوة عن شعبنا وبلادنا. وبالنظر إلى الجرائم العديدة التي ارتكبتها الولايات المتحدة والصهيونية، بما في ذلك استهداف واغتيال قائد الثورة الإسلامية، وجمع من أبناء وطننا، ومسؤولينا، وقادتنا الأعزاء والمحبوبين، فإننا نحن من يحدد شروط إنهاء الحرب ولا نقبل بالحرب المفروضة ولا السلام المفروض.
ومن بين هذه الشروط: وقف العدوان، ومعاقبة المعتدي، وتقديم ضمانات بعدم تكرار الاعتداء، والحصول على تعويضات عن جميع الخسائر والأضرار التي لحقت ببلادنا، بما في ذلك ما أصاب البنى التحتية والمنشآت والمواقع النووية السلمية في إيران.
- ما هي القنوات الدبلوماسية الممكنة اليوم لوقف التصعيد؟ وهل ما زالت الوساطات الإقليمية أو الدولية قادرة على تحقيق اختراق؟
تسعى بعض الدول حاليا إلى خفض حدة التوتر ومنع استمرار العدوان، غير أنه ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الجهود ستفضي إلى نتيجة أم لا. وفي واقع الأمر، فإن النزعة التوسعية والنهج الاستعلائي للولايات المتحدة يشكلان عائقا أمام التوصل إلى نتائج ملموسة إضافة الى فشلهم الذريع في الهجوم العسكري والوصول الى أهدافهم المسطرة مسبقاً
وموقف بلادنا واضح وصريح؛ فنحن لا نقبل بوقف إطلاق نار مفروض علينا، غير أننا ننظر بإمعان في أي مبادرة تلبي شروطنا، وفي مقدمتها إنهاء الحرب وتعويض إيران عن الأضرار التي لحقت بها.
- هل أثرت هذه الحرب على رؤية إيران لملفها النووي وعقيدتها الردعية؟ وهل ما تزال العودة إلى المفاوضات النووية ممكنة ضمن نفس الإطار السابق؟
إن موقف إيران في ملفها النووي، سواء قبل وقوع العدوان أو بعده، ثابت وواضح لا لبس فيه مبني ُ على حقها الشرعي في الاستغلال السلمي للطاقة النووية ولا تسعى قط الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل. فالعدو لن يتمكن عبر الحرب من تحقيق ما عجز عن نيله على طاولة المفاوضات، ومبادئنا لن يطرأ عليها أي تغيير.
ونحن اليوم في وضع دفاعي أفضل بكثير مما كنا عليه خلال حرب الاثني عشر يوما. كما أن مطالبنا في المرحلة الراهنة تختلف عما كانت عليه في السابق، ولن يكون هناك أي توقف ما لم نصل الى حقوقنا المشروعة ونحقق مطالبنا العادلة.
- كيف تقيّمون الكلفة الإنسانية لهذه الحرب داخل إيران؟ وهل ترون أن استمرارها يخدم المصالح الاستراتيجية أم يزيد من تعقيد المشهد؟
لقد أسفر العدوان الذي شنته أمريكا والكيان الصهيوني على إيران عن استشهاد عدد كبير من مسؤولي و قادة البلاد، وكذلك من المواطنين العاديين، ومن بينهم عدد كبير من النساء والأطفال. ولا يمكن تحديد رقم دقيق للضحايا، غير أن التقديرات تشير إلى أن عدد الشهداء و الجرحى قد يبلغ عدة آلاف حتى الآن.
كما أن استهداف المدارس والمستشفيات والمراكز الحكومية الخدماتية وسائر المرافق العامة و البنى التحتية من قبل المعتدين أدى إلى تفاقم حصيلة الشهداء. ويبدو أن المعتدين لا يلتزمون بأي حدود أو ضوابط، إذ إنّ أكثر من 210 من الشهداء هم من الأطفال وحدهم.
- كيف تنظرون إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر و الدول الصديقة، سواء دبلوماسيًا أو سياسيًا، في دعم التهدئة أو المساهمة في إيجاد مخرج لهذه الأزمة؟
إن هذا العدوان يعد عملا غير قانوني بشكل كامل، ويشكل انتهاكا صارخا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. ومن هذا المنطلق، فإن جميع دول العالم، ولا سيما الدول المستقلة التي تؤمن بمبادئ وقواعد القانون الدولي وترفض العدوان والظلم والجريمة، تتحمل مسؤولية إدانة هذا العدوان والعمل على إنهائه.
وعلاوة على ذلك، كيف يمكن للدول الإسلامية أن تلوذ بالصمت إزاء هذا العدوان غير المشروع الذي ترتكبه قوى الاستكبار العالمي، أي الولايات المتحدة والصهيونية، ضد دولة إسلامية، لا سيما في شهر رمضان المبارك؟ إن الحد الأدنى المنتظر من هذه الدول هو أن تبذل مساعيها الحميدة في إطار الجهود الدبلوماسية من أجل وقف العدوان.
- ما هي وجهة نظركم بالنسبة للتهديدات الأخيرة التي أطلقها ترامب باستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران؟
إن التهديدات التي يطلقها رئيس أمريكا ضد بلادنا تعد جريمة حرب، كما أنها تعبر في جوهرها عن حالة ضعف. فالحقيقة أن الطرف الذي يلجأ إلى تهديد حياة الناس واحتياجاتهم الأساسية إنّما يكون قد مني بالفشل في ميدان الحرب، ويحاول عبر هذه الأساليب التغطية على هزيمته.
وقد أكدنا أن أي اعتداء على البنى التحتية الحيوية في إيران سيواجه برد متناسب ومماثل، وأن المسؤولية القانونية الكاملة، إلى جانب جميع التداعيات الناجمة عن أي تصعيد إضافي، ستقع على عاتق الجهات التي تبادر إليه.
ومنذ بداية هذا العدوان، التزمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بكل ما أعلنته فيما يخص حقها في الدفاع عن سيادتها وشعبها وردها المماثل عن أي اعتداء كم جاء في محكم التنزيل “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم” (البقرة:194)، واليوم يدرك الأعداء هذه الحقيقة أكثر من أي وقت مضى. وعليه، فإنه يتعين عليهم أخذ هذه الوقائع بعين الاعتبار، والامتناع عن أي إجراء من شأنه زيادة حالة انعدام الأمن أو إلحاق الضرر بالبنى التحتية.




