الجزائر
رحيل الرئيس المتوّج بتاج التواضع

● الدكتور/ محمد أرزقي فراد
◙ يعتبر الرئيس اليامين زروال (1941- 2026م) شخصية بارزة في تاريخ الجزائر المعاصرة، فقد شارك في تحرير وطنه من نير الاستعمار الفرنسيّ وهو شاب يافع، ثم شارك في إعادة بناء الدولة الجزائرية بعد استرجاع السيادة الوطنية. قضى مساره المهني في مؤسسة الجيش الوطنيّ الشعبي، واستفاد من تكوين عسكري في الاتحاد السوفيتي وفي المدرسة العسكرية الفرنسية. كان رجلا عسكريا بامتياز شيمته الانضباط ، تدرّج في الرتب وفي المسؤولية إلى أن بلغ القمة حين عيّن وزيرا للدفاع سنة 1993م في ظروف صعبة لم تشهدها الجزائر من قبل، لينتخب بعد ذلك رئيسا للجمهورية.
◙ عُرف السيّد اليامين زروال بالانضباط والاستقامة في حياته، لذلك لم يتوان عن تقديم استقالته من مؤسسة الجيش سنة 1989م حينما اختلفت رؤيته المهنية مع رؤية الرئيس الشاذلي بن جديد. وتقديرا لكفاءته أسندت له مهمة سفير في رومانيا، فقبلها على مضض قبل أن يقدم استقالته، لأنه لم يكن مقتنعا بالعمل خارج مجال تخصّصه، وهذه صفة حميدة لا يتحلى بها إلاّ المخلصون للوطن.
◙ عرفت الجزائر في تسعينيات القرن الماضي اهتزازا أمنيا خطيرا بسبب الأخطاء السياسية كاد أن يعصف باستقرار الدولة لولا لطف الله، ولمواجهة هذه المحنة الدامية، وفي خضم هذه المحنة تذكّر” أهل الحل والعقد” العسكري المتقاعد اليامين زروال، للاستفادة من خبرته وإخلاصه.
◙ فرغم اختلافه مع الجنرال خالد مزار، فقد اختاره هذا الأخير سنة 1993م ليخلفه على رأس وزارة الدفاع، ليس من باب المحاباة بل تقديرا لكفاءته ولشخصيته القوية إذ كان لا يساوم في المبادئ. ثم تولى بعدها رئاسة الدولة(1994م)، فرئاسة الجمهورية(1995- 1999م) بطريقة اختلفت حولها الآراء السياسية. على أيّ حال واجه المحنة الدامية بسياسة مرتكزة على عنصرين اثنين؛ الصرامة إزاء الهمجية، والرحمة مع الشباب المغرّر بهم لإنقاذهم من الجحيم. أمّا على المدى البعيد فقد كان الرئيس اليامين زروال مؤمنا بسيادة الشعب وبالقيم الديمقراطية، لذلك صرّح أكثر من مرّة أن الأصل في السياسة هو أن يسند أمرها إلى الأحزاب السياسية، التي تؤسّس أصلا من أجل المنافسة الشريفة، في إطار القانون للوصول إلى سدة الحكم وفق إرادة الشعب.
◙ تمّ في عهده انتخاب أوّل مجلس وطني تعدّدي(عهدة 1997- 2002م)، وأشهد بصفتي نائبا في مجموعة حزب الأفافاس، أن النواب كانوا يتمتعون بقدر كبير من الحرية، مكّنهم من أداء واجبهم التشريعي والرقابي. لذا كان الوزراء يحسبون لهم ألف حساب عند قدومهم إلى قبة البرلمان، لأنهم كانوا “نواب الشعب” يراقبون الحكومة، ولم يكونوا أداة طيّعة للسلطة التنفيذية بل تمّ تفعيل كل الوسائل التي نصّ عليها الدستور من أجل مراقبة الحكومة. وكانت الصحافة بفروعها المتعدّدة، تتمتّع بهامش من الحرية لا يستهان به، مكّنها من تغطية نشاط البرلمان دون مواربة وعلى المباشر، الأمر الذي أعطى مصداقية للسلطة التشريعية.
◙ لكن يبدو أن تيارا نافذا في “دهاليز السلطة” لم ينظر بعين الرضا إلى رؤيته السياسية المتفتحة، فأخذ في عرقلة نشاطه بطرق ملتوية وفي تسميم الساحة السياسية، وأكثر من ذلك تمّ التفاوض مع الجماعات الإسلامية المسلحة دون علمه، وهذا ما جعله يرمي المنشفة قبل انقضاء عهدته الرئاسية، رافضا أن يكون رئيسا شكليا منزوع الصلاحيات. وعلى اثر ذلك انكسر وجدان المواطنين، ورأى البعض أنه كان من الأفيد للوطن أن يستمر في الحكم حتى يطهّر الساحة السياسية من الانتهازيين الفاسدين، لكن سبق السيف العذل كما يقال.
◙ لعل المفارقة العجيبة أن اليامين زروال العسكريّ، كان يتمتع بقدر من الوعي السياسيّ لم يكن متوفّرا لدى بعض المدنيين، جعله يحترم المعارضة الناقدة لسياسة حكومته، وأتذكّر في هذا السياق الندوة الصحفية التي عقدها، وحدث أن تطاول فيها صحفيّ متملق على أنصار “الحل السياسيّ”( حسين آيت احمد/ أحمد بن بلة/ عبد الحميد مهري/ لويزة حنون/ عبد الله جالب الله) الذين اجتمعوا في سانت إيجيديو بإيطاليا في مطلع شهر جانفي 1995م فوصفهم بالخيانة، لكن الرئيس اليامين زروال سارع إلى نفي تهمة الخيانة عنهم، موضّحا أن المسألة لا تعدو أن تكون تدافعا سياسيا وليس إلاّ.
◙ من محامد الرئيس اليامين زروال أيضا أنه عاش متوّجا بتاج التواضع، فهو لم ينبهر بمنصب الرئيس أو بمباهج الحياة التي أقبلت عليه، بل أعرض عنها مفضّلا البساطة والعيش في مسقط رأسه بين أهله معزّزا مكرّما، بعيدا عن بهرجة العاصمة واُبّهتها وزَهْوِها، وكأني به قد أخذ بنصيحة ابن عاشر الذي أشار في متنه الفقهي إلى أن حبّ الرئاسة هو أصل الآفات.
◙ وكان مسك ختام حياته أن أوصى بأن يدفن في مقبرة مسقط رأسه في باتنة بين أهله، سائرا على نهج العظماء المتواضعين، على غرار شيخ المؤرخين الدكتور بلقاسم سعد الله دفين مدينة ڤمار بوادي سوف(2013م)، والمجاهد حسين آيت أحمد دفين قريته “آث أحمد” بجبال جرجرة (2015م ) وغيرهما.
◙ في الأخير… رجاؤنا أن تستلهم الأجيال العبرة من حياة الرئيس الراحل اليامين زروال الذي أعطى درسا في التواضع وفي حبّ الوطن ونكران الذات. صدق الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي حين قال: – لكل شيء إذا ما تمّ نقصان «» فلا يُغرّ بطيب العيش إنسان




