ذكرياتي مع الكتاب

الدكتور/ محمد أرزقي فراد
- نحتفل في الجزائر باليوم الوطني للكتاب، كلّما حل يوم 7 جوان من كلّ سنة. ففي مثل هذا اليوم (7 جوان سنة 1962م)، قامت منظمة الجيش السريّOAS الإرهابية بحرق مكتبة جامعة الجزائر، فأتت النيران على حوالي 600 ألف كتاب (عناوين ونسخ)، بعد فشلها في إجهاض اتفاقيات ايفيان المكللة بالنصر(19 مارس 1962م).
تلقيتُ الدعوة لحضور فعاليات هذا الاحتفال الذي أشرف عليه الأستاذ عبد القادر جمعة(مدير المكتبة الرئيسية لبلدية باب الزوار)، بمعية الدكتور جمال يحياوي (مدير المركز الوطني للكتاب ) اللذين تعاقبا على كلمة الافتتاح.
ألقِيتْ بهذه المناسبة محاضرة علمية، مناصفة بين أستاذ وأستاذة جامعيين متخصّصين في علم المكتبات، حول علاقة الكتاب بالذكاء الاصطناعي والرقمنة والكتاب الإلكتروني، وما مدى خطر التكنولوجية الحديثة على الكتاب الورقي؟. وعقب ذلك فتح المجال للمناقشة، شارك فيها عدد من الحضور بآرائهم المتنوعة واحتدم النقاش في نطاق المعقول. وفي الأخير أبرز المتدخلون أن إشكالية تراجع المقروئية في المجتمع، هي التي تشكل هاجس الكتاب، ولعل ما يؤكد ذلك استمرار نزيف غلق المكتبات بوتيرة مخيفة، وهو ما يستوجب انتباه مسؤولي قطاع الثقافة إلى هذه المعضلة.
و نظرا لتعذر تقديم ما كان يدور في خاطري من أفكار حول الكتاب لاعتبارات تنظيمية وليس إلاّ، فها أنا أقدمها لكم في عجالة على النحو التالي. لقد ولدتُ في بيئة تحترم الكتاب وتقدّسه، بصفتي مواطنا أنتمي إلى فئة الأشراف المرابطين التي ارتبط تاريخها بالتربية والتعليم (كتاتيب وزوايا أو المعمرات كما نسميها محليا).
– أنجبت قريتي في الماضي بيوتات علمية كثيرة، تملك مكتبات خاصة تضم كتبا مطبوعة ومخطوطات متنوعة باللغة العربية، والقليل منها باللغة الأمازيغية المكتوبة بالأبجدية العربية في مجال الفقه والتوحيد. وقد حدثني عنها بعض شيوخ قريتنا بحسرة بعد ضياعها في خضم الحياة القاسية لأسباب عديدة، ولم يبق منها إلاّ النزر اليسير الذي يؤكّد أن “العلم” قد مرّ من قريتنا في الأزمنة الغابرة، ولا أدلّ على ذلك من دعاء طالما سمعته في طفولتي مؤداه أن: ” أللهمّ أعِدْ لنا عزّ علمنا الغابر” ( أدْيَرْ ربّي العلم لجْذوذنّغ يْرُوحَنْ)، ولم أستوعب مغزى هذا الدعاء العميق إلاّ بعد أن بلغت سن الفتوة ونلت حظا من العلم. لا شك أن الاستدمار الفرنسي كان له باع طويل في نضوب مكتبات قريتي، بفعل سياسة الأرض المحروقة التي مارسها طيلة وجوده في الجزائر.
هذا وقد حدثني أحد شيوخ قريتي أن الإدارة الفرنسية كانت ترسل فرقا تتنقل بالبغال لنهب الكتب والمخطوطات بطرق ملتوية عديدة. أما ما تبقى منها فقد تضرّر بفعل العوامل الطبيعية القاسية التي كانت لا تساعد على صيانة المكتبات(أمطار/ ثلوج/ رطوبة). وهناك أيضا مسؤولية بعض أحفاد العلماء الذين صاروا من عوام الناس، فاعتبروا خزائن الكتب ( أفنيق)عبئا ثقيلا عليهم، فسعوا إلى التخلص منها بشتى الطرق، بما فيها ” دفن الكتب والمخطوطات” وهم يظنون أنهم فعلوا حسنا بذلك! وعندما اندلعت ثورة أول نوفمبر سنة 1954م، انتقم الاستعمار الفرنسي من قريتنا بأن دمّرها بالقصف الجوّي على رؤوس أهلها( وكنت في الخامسة من عمري)، وهجّر سكانها، وصارت منطقة محرّمة، لذا لم يبق لدى بعض العائلات إلاّ القليل من الكتب والمخطوطات.
لقد أنجبت قريتي إعشوبة علماء كثيرين تولوا القضاء وألفوا كتبا عديدة، خاصة في الفقه والنسب في القرون الماضية، واستطعتُ بعد جهد جهيد أن استرجع بعض وريقات تلك المؤلفات الثمينة من هنا وهناك، أدرجتها في كتابي الذي خصّصته لتاريخ قريتي(أنظر النموذج المرفق). ومن أبرز هؤلاء العلماء، الفقيه العدل سيدي محمد الموهوب بن المبارك العشابو الذي تولى القضاء في المنطقة الممتدة من زرخفاوة ( أزفون حاليا) إلى عرش آث غبري ( إعزوڤن حاليا).
لعل ما يؤكد تعلق أهلي بالكتاب، فتح مكتبة قبالة جامع كتشاوة بالعاصمة من طرف ابن عمي الحنفي فراد مباشرة بعد استرجاع الاستقلال، وهو معروف لدى جيل الستينيات والسبعينيات بدماثة أخلاقه ومساعدته للطلبة بتمكينهم من قراءتها في حال عجزهم عن شرائها.
أمّا أنا فرغم رقة حالي ماديا في سن المراهقة (ابن شهيد/ شقيق شهيد) فقد كنت أمارس التقتير والشحّ على نفسي لشراء الكتب. ومازلت أتذكر أنني اشتريت ” منجد الطلاب” (الحجم الصغير) قديم، من زميل لي في الدراسة سنة 1968م بدار المعلمين ببوزريعة بالعاصمة، بثمن 500 فرنك، ومازال يحتل مكانة في نفسي أعزّ من بيض الأنوق كما يقال!. هذا وقد وفقني الله بعد العسر في تأسيس مكتبة خاصة أصلها هنا في العاصمة وفرعها هناك في مسقط رأسي (قرية عشوبة، بلدية أزفون، ولاية تيزي وزو).
لا شك أن الجريمة التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حق مكتبات قريتي الخاصة( وهي غيض من فيض مما هو موجود في الوطن)، كانت ضمن الأسباب التي دفعتني إلى تقديم اقتراح تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر في البرلمان، بتاريخ 18 فيفري 2001م. والحمد لله على أن تجسد الاقتراح في شكل قانون ولو بعد حين!
أجدّد شكري للأستاذ محمد ملال الذي تكفل بنشر كتابي المذكور، لتوزيعه مجانا على عائلات قريتنا، ليبقى معلما ثقافيا، في انتظار اكتشاف مخطوطات أخرى إن في حياتي أو بعد رحيلي.
هذا ما جادت به قريحتي هذه الليلة بمناسبة حلول اليوم الوطني للكتاب (7 جوان). وأرجو أن لا تكون خاطرتي هذه ضيفا ثقيلا عليكم. قراءة ممتعة.




