حُرّاس الأزقّة الضيّقة.. رحلة في دهاليز العزلة والشكّ

في روايته الجديدة «حُرّاس الأزقّة الضيّقة»، يمضي الروائي الجزائري بشير مفتي في تفكيك العتمات الداخلية لإنسانٍ يلاحقه الخوف وتطارده الظلال. تدور الحكاية حول عدنان شفيق، طبيب القلب الذي يجد نفسه على حين غفلة في قلب مأزقٍ لا يخطر على بال. ما إن يدخل مركز الشرطة لتقديم شكوى عن اعتداءٍ طال منزله ومكتبته، حتى ينقلب المشهد رأسًا على عقب، إذ يُتّهم بجريمة قتلٍ مروّعة راحت ضحيتها فتاة مراهقة تُدعى صبرينة. عندها تتسع الهوّة بينه وبين العالم، ويبدأ في الشك بأن خيوط مؤامرةٍ غامضة تُحاك حوله بصمتٍ ودهاء.

من خلال هذا الطبيب المنكسر، الذي أثقلته خسارة زوجته وأغلق على نفسه أبواب الحياة، يرسم مفتي لوحةً نقديةً حادّة للمجتمع الجزائري، حيث تتقاطع المظاهر الخادعة للتديّن مع انحداراتٍ أخلاقيةٍ تمارس في الخفاء. وبين الأزقّة الضيّقة التي تختنق بالريبة، يُطلّ السؤال عن البراءة، عن الحقيقة، وعن معنى النجاة في زمنٍ فقد بوصلته.
غير أنّ العتمة لا تدوم. فوسط الركام، تلوح ناديا سالم، المرأة التي تشترك مع عدنان في الخيبة والخذلان. تجمعهما الجراح ذاتها، ويتبادلان الأمل كما لو أنه محاولةٌ أخيرة للانتماء إلى الحياة. معًا، يكتشفان أن البدايات الثانية ممكنة، مهما توارى الضوء خلف الجدران.
بهذه الرواية، يضيف بشير مفتي إلى رصيده الإبداعي عملًا جديدًا يُعمّق رؤيته للإنسان الجزائري العالق بين الحلم والانكسار. وهي الرواية الثالثة عشرة في مسيرته التي بدأت منذ «المراسيم والجنائز» (1997)، ومرّت بمحطّات بارزة مثل «أرخبيل الذباب»، «بخور السراب»، «أشجار القيامة»، «أشباح المدينة المقتولة»، «غرفة الذكريات»، و**«دمية النار»** التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) سنة 2012.
ترجمت بعض أعماله إلى الفرنسية، كما وجدت نصوصه طريقها إلى لغاتٍ أخرى كالإنجليزية والإيطالية والألمانية. ويواصل بشير مفتي اليوم رحلته الأدبية من موقعه رئيسًا للقسم الثقافي في التلفزيون العمومي الجزائري، حارسًا آخر من حُرّاس اللغة والذاكرة في الأزقّة الضيّقة للأدب والواقع.




