العالم
حل الدولتين: مشروع معلق بين التاريخ والواقع

طهران: مراسلة خاصة
لماذا يُعدّ حلّ الدولتين محكوماً عليه بالفشل؟ ومنذ متى طُرحت هذه الفكرة؟ ولماذا تعارضه إيران والكيان الصهيوني؟
يمثّل الاعتراف بدولة فلسطين خطوة أساسية نحو منح الشعب الفلسطيني حقوقه السياسية الكاملة، باعتباره كياناً مستقلاً يتمتع بالسيادة على أراضيه ويملك قراره في الشؤون الداخلية والخارجية. ويتيح هذا الاعتراف لفلسطين إمكانية الانضمام كعضو كامل في منظمات دولية كالأمم المتحدة، واليونسكو، والمحكمة الجنائية الدولية، فضلاً عن فتح آفاق العلاقات الدبلوماسية الثنائية مع دول العالم، مما يعزز من موقعها السياسي والدولي.
الأبعاد الجغرافية لحلّ الدولتين
تتمثل العقبة الجوهرية أمام هذا الحلّ في تحديد حدود الدولة الفلسطينية المنشودة. فوفقاً لما يُعرف بحدود ما قبل الرابع من حزيران/يونيو 1967، تشمل هذه الدولة المرتقبة كلاً من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، إلا أن معظم هذه المناطق تخضع لسيطرة مباشرة أو غير مباشرة من قبل الاحتلال الإسرائيلي. وتُعدّ قضية القدس الشرقية حجر عثرة مركزياً، إذ يعتبرها الفلسطينيون عاصمتهم السياسية، بينما تصرّ “إسرائيل” على ضمّها ضمن “عاصمتها الموحدة”. كما أنّ التوسع الاستيطاني المتسارع في الضفة الغربية يهدد بإفشال أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات تواصل جغرافي وسيادة فعلية. ورغم أن أكثر من 140 دولة حول العالم تعترف بدولة فلسطين حتى عام 2025، فإن معظم الدول الغربية الكبرى – وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبعض أعضاء الاتحاد الأوروبي – لا تزال ترفض هذه الخطوة. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحوّلاً نسبياً في الموقف الأوروبي، حيث بادرت دول مثل السويد إلى الاعتراف الرسمي، وبدأت دول أخرى كإسبانيا والنرويج وأيرلندا تتجه نحو هذا القرار، وآخرها فرنسا التي أعلنت نيتها الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في سبتمبر المقبل.
الموقف الإيراني من حلّ الدولتين
تعارض الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ تأسيسها فكرة حلّ الدولتين، وتتمسك بما تسميه “حلّ الدولة الواحدة الديمقراطية” في كامل الأراضي الفلسطينية التاريخية، حيث يقرر السكان الأصليون – من مسلمين ومسيحيين ويهود فلسطينيين – مصيرهم عبر استفتاء شعبي شامل. وترى طهران أن هذا الموقف يعكس عدالة القضية الفلسطينية، ويُفشل محاولات تطبيع الاحتلال وجعله كياناً دائماً في المنطقة. ورغم أن بعض التصريحات والاجتهادات الفردية في الداخل الإيراني، كتصريحات الرئيس الأسبق محمد خاتمي، فسّرت كمؤشرات على مرونة محتملة تجاه فكرة حلّ الدولتين، فإنّ الموقف الرسمي لا يزال ثابتاً. حتى في عام 2023، حينما صوّتت إيران لصالح قرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة يتضمّن إشارة إلى حلّ الدولتين، فقد أرفقت ذلك بـ”تحفّظات قوية”، وأكدت أنها لن تعترف بـ”إسرائيل” حتى لو قامت دولة فلسطينية مستقلة.
لماذا يعارض الكيان الصهيوني حلّ الدولتين؟
ترفض “إسرائيل” حلّ الدولتين بذريعة أن قيام دولة فلسطينية قد يمكّن فصائل مثل حماس من تعزيز وجودها، مما يشكّل تهديداً أمنياً مباشراً. غير أن هذه الحجة تخفي وراءها نوايا أعمق تتعلق برؤية صهيونية توسعية تسعى للسيطرة الكاملة على الأرض الممتدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط. ففئات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، وخصوصاً التيارات الدينية والقومية المتطرفة والمستوطنين، ترى أن الضفة الغربية – التي يسمونها “يهودا والسامرة” – هي جزء لا يتجزأ من “أرض الميعاد”، وتعتبر أي تنازل عنها خيانة للمشروع الصهيوني. ويكفي لتبيان خطورة هذا الفكر أن نشير إلى نتائج استطلاع نشرته صحيفة “هآرتس” في مايو الماضي، حيث أظهر أن 82% من الإسرائيليين يؤيدون ترحيل سكان غزة، فيما عبّر 56% عن دعمهم لطرد المواطنين العرب من الداخل الفلسطيني المحتل، و47% أيدوا بشكل صريح قتل المدنيين في غزة! إن فكرة حلّ الدولتين، رغم ما تحمله من أبعاد قانونية وإنسانية، تبدو في ظل هذه المعطيات أشبه بوهم سياسي، تتهاوى أمامه حقائق الاستيطان والعقيدة الصهيونية اليمينية، وتماهي القوى الكبرى مع مصالح الاحتلال. وبينما تتمسك طهران بخيار الدولة الواحدة، يواصل الاحتلال الإسرائيلي بناء وقائع على الأرض تجعل من خيار “الدولتين” مجرد ورقة تفاوضية بلا مضمون، في حين تبقى معاناة الشعب الفلسطيني مستمرة ما لم يُنصف التاريخُ والواقعُ نضاله العادل.




