حوارات

حفيظ علال خديم لـ “24 ساعة”: الشاعر كائنٌ أسطوريٌّ ينتصر للإنسان

حوار/ نورالدين مبخوتي

التقيت مؤخرا بالشاعر، حفيظ علال خديم، على هامش ملتقى شموع لا تنطفئ في طبعتها الأخيرة فأهداني باكورته الشعرية الموسومة “حين يمتشق الحمام حبال الريح”، الصادر عن دار الجزائر تقرأ 2017، وتقع في حدود 78 ص. وتضمن الديوان قصائد نثر بلغ مجموعها 40 نصا متفاوتة الحجم. قرأت المجموعة الشعرية فكانت هذه الأسئلة.

يتميّز عنوان هذه المجموعة الشعرية بطوله وبشعرية عالية السقوف وقد توقفت مقدمة الديوان الشاعرة العراقية إنعام كمونة مطوّلا عند تفكيك مكوّناته واستنباط حمولته الدلالية والجمالية. لماذا وقع اختياركم على هذا العنوان بالذات؟

حين يمتشق الحمام حبال الريح

حبال الريح كعنوان هو اختزال للفكرة إلى درجة الإدماء.. كثير من الأشياء التي يحويها الكتاب لا يُمكنها أن تتجلّى إلا من خلال سمة غرائبية تجرُّك إلى سفر لا ينتهي.. الحمام في العنوان هم الشهداء..، الراحلون الذين يعبرون عمرهم القصير ويبعثون أحياء.. هم أطفال المفارغ الذين هاجروا مع غيم الجنوب.. هم الباقون على قيد الموت والقابعون في الظل وضواحي المدن.. هم العشاق والمهمشون والمعذبون في الفلوات والقرى والملاجئ والمزارع والأكواخ.. الريح هي سنوات العشرية، حيث تُستنطق الورطة والذاكرة معا.. هو فضاء ضيق.. نحصر فيه كلّ أحلامنا البيض التي تتظاهر بالفرار كي نلاحقها.. عنوان المجموعة باختصار، هو نافذة مشرعة على عالم متوحش يسدُّ عنّا الضوء كي لا نجهر بجرائمه في حقّ الإنسانية.. وهو ذات المتوحش الذي كنّا نرقبه من شقوق النوافذ، يستفزُّنا في الظلام كلما آنت لحظة الفتك.. نفس طويل لعنوان باكورة بمقدوره أن ينفخ في الرماد البارد التليد بين الأثافي، فيشعل “أسئلة حياة” كانت على شفير الموت.

سؤال الموت محور أساس في خطاباتكم الشعرية. كيف تعاملتم شعريًّا مع تيمة الموت؟ وبم تفسرون هذا الحضور المكثف لهذه الظاهرة في قصائد الديوان؟

الموت سؤال القلق وقلق السؤال معا.. هو سيّد الأسئلة العميقة.. هو راجح في مجموعتي بقوّة الصّيغ الدالّة عليه نظرا لطبيعة المرحلة في تسعينيات القرن الماضي التي أسّست لما كانت تسمّى آنذاك بشعرية المحنة، تبرير ذلك ظلّ يقودني في كلّ مرّة إلى التصنيف الشهير لـ “رودولف أنجر” الذي فسّر كلّ كتابة من هذا القبيل بكونها نتاج رابطة الإنسان بالموت كمعضلة، فما بالك بالذي يكتب على مرأى الرصاص وينسلّ من كلّ فتاك ليفوز بساعة أخرى، حضور الموت يظهر جليًّا في النصوص التي كتبت في فترة التسعينات.

قارب الناقد الجزائري، د. أحمد يوسف، في كتابه “يتم النصّ”، فكرة قتل الأب في الشعر الجزائري الجديد بالاعتماد على جهاز مفاهيمي يغترف من علم النفس. في تجربتك الشعرية هناك احتفال بالأب. ماذا يمثل الأب لك إنسانيًّا وشعريًّا؟

هذا الاحتفاء يظهر جليا في عدد من النصوص، خاصّة في نصّ البخورات الذي كتبته بعد رحيل أبي، كان لهذا الفقد وقع كبير في كتاباتي، وأثر في عوالم كثيرة في المفهوم الحقيقي للحياة.. كان الحزن عظيما حينئذ لو قسم على كلّ اليتامى لوسعهم عليُ “الانسان.. هو سيّد القلب، وشعريا: هو وطن بشكل المديح، وكتابة رهيبة وقاسية عن رجل كان يضمني بشوق الكادحين، إلى أن صار في طرفة عين يفرك حبات السبحة في فراش ليس فيه.. هكذا كنت أحلم.

  حقّقت قصائد الديوان مكاسب جمالية دعا لها أنصار قصيدة النثر من قبيل التكثيف وتوظيف السرد وتبريد اللغة والاشتغال على تفاصيل اليومي العابر في مقابل ذلك اشتغلت قصائد الديوان على قضايا ساخنة كبرى مرتبطة بالمرحلة كما اتّسمت بالغنائية التي ينظر إليها الحداثيون أنّها سُبّة في جبين الشعر العربي لاحتفائها بصخب الإيقاع وابتعادها عن الدرامية وتعدُّد الأصوات. هل تمثلت تنظيرات نقاد قصيدة النثر وأنت تكتب نصوص هذه المجموعة؟

ما نلمسه بين طيات المجموعة لا يتّصل بزمن معين.. بل بأزمنة متعدّدة وأمكنة مختلفة، الشعر في الغالب يبسط نفوذه حتى في الطفولة المبكرة، كنت أسند كتاباتي أحيانا على حجر الذاكرة بكلّ ما يحويه من نقوش جميلة، وأمتطي صخب الإيقاع وأستغرق في التأمل في الأشكال والألوان لعلّي أستنير بها في ليلي البهيم وأخفف عنّي وطأة الراهن والخراب، الغنائية كانت بمنأى عن الدرامية لاعتبارات البناء الفني للقصيدة، في غنائيات درويش مثلا العواطف الشخصية والصُّور التجريدية التي تخاطب فينا اللاوعي أحدثت في عزّ الثورة الفلسطينية طفرة في الشعر العربي، انصهرت في أعماق إدراكه الروحاني للألوان والحالات والذكريات، من شيمة نصوص درويش مثلا أنّها أسّست أيضا للأواصر التي تربط الصُّوفية بالشعر، نرى هذا أيضا في الشعر الجاهلي الذي عصف بحدود الواقع من خلال توظيف الأسطورة كبناء. أقول في هذا السياق ما معناه: إنّ بين الشاعر والعلوم والأحداث وشائج، والشاعر كائن ليس بمعزل عن تنظيرات الحداثيين التي أحدثت انقلابا في الشعرية. هو يكتب من أجل يؤسّس نصًّا خاصًّا به، ويسعى دائما أن يكتسب أرضا جديدة لم يطأها أحدٌ من قبله. الشاعر في نظري كائنٌ أسطوري ينتصر للإنسان دائما، ولا يلتفت للملهاة التي قسّمت الشعر إلى نصفين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى