الجزائر

توثيق الوقائع بالفيديو والتبليغ الفوري لإشراك المواطن في مكافحة الجريمة

 

 بلال سناء

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات صادمة توثق لمختلف الجرائم المرتكبة في الشارع الجزائري، اعتداءات جسدية، سرقة، نهب، التسبب في حوادث مرور مميتة وغيرها، التقطها مواطنون بسطاء مروا في اللحظة المناسبة وتمكنوا من إثبات الجرم ومساعدة الأمن في كشف هوية الفاعل باستعمال كاميرات هواتفهم النقالة، أو حتى كاميرا مراقبة المحلات، حيث ارتفعت في الآونة الأخيرة في المجتمع الجزائري معدلات الإجرام، وهو ما أدى بالعديد بالعديد من المواطنين للاستنجاد بكاميرات هواتفهم لكشف هوية المجرمين، وتوثيق لحظة ارتكابهم لجرمهم، وبهذا يمكن للقانون أن يأخذ مجراه الأمر هذا استحسنه البعض فيما خالفه آخرون بداعي أن نشر صور المعتدين يخرج عن ثقافة الستر ويعد تعد على حقوقهم.

 كاميرات الهواتف تفضح المعتدين

انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة جديدة يمكن وصفها بالإيجابية، وهي تغطية جرائم وتجاوزات على المباشر، وتصويرها بالهواتف النقالة، حيث تنوعت مقاطع الفيديو المنتشرة ما بين جرائم سرقة وترهيب واعتداءات في منتصف الليل وأخرى في وضح النهار، حيث تم نشر هذه المقاطع في مواقع التواصل الاجتماعي لتسهيل عملية التعرف على الجناة و إلقاء القبض عليهم وعلى الرغم من إيجابيات هذه الظاهرة يبقى السؤال مطروح هل يعتبر تصوير هذه الحوادث تجاوز وانتهاك وتعد على حقوق هؤلاء الجناة، أم هو دليل على الوعي وأسلوب جديد لمواجهة الجريمة، حيث أن كاميرات المراقبة والأدلة الرقمية هي إحدى مميزات التطور الرقمي الذي نعيشه، حيث صارت أحد أدلة الإثبات الجنائي في العديد من القضايا والحوادث.

 توثيق الجرائم والتبليغ لردع الجريمة

في زمن التكنولوجيا لم يعد شيء يمر دون ان تلتقطه عدسة الهاتف، إذ أصبحت الجرائم والفوضى اليومية توثق وتبث على الهواء مباشرة من خلال هواتف مواطنين عاديين، كانوا صدفة في زمان ومكان محدد لتوثيق فيديوهات تنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تفضح السارق في لحظة فراره وتجسد مشاهد إعتداء في وضح النهار وتعرض وجوه المجرمين، وبرزت خلال الآونة الأخيرة ظاهرة الاعتداءات المباشرة التي تتم في وضح النهار، وسط لامبالاة المجرمين بنتائج أفعالهم متناسين أن هناك قانوناً وقواعد تحكم المجتمع، بل يتبنون منطق القوي يأكل الضعيف، ويعتمدون قانون الغابة لممارسة السرقة والاعتداء والحقرة وغيرها من الممارسات التي تضرب بقيم المجتمع عرض الحائط، وفي الوقت الذي تسهر الدولة من خلال المصالح الأمنية الشرطة والدرك وغيرهم في حفظ سلامة وأمن المواطنين وبعث الطمأنينة في القلوب، يحاول آخرون هدم ذلك الأمن والطمأنينة، بتحويل المجتمع إلى ساحة صراع ومعارك، تخلف يومياً حوادث مأسوية وشجارات عنيفة، تنتهي في الكثير من الأحيان إلى وصول ضحايا للمستشفيات أو حتى الموت، وفي إطار مكافحة الجريمة تبنى المجتمع الجزائري مؤخراً ثقافة التبليغ لتتحول مهام بعض المواطنين إلى الوقوف جنبا لجنب مع المصالح الأمنية، والتبليغ عن كل تجاوز يلاحظونه ليتم في هذا الصدد توثيق تلك اللحظات عبر فيديوهات ملتقطة من أجهزة وكاميرات الهواتف الذكية، التي أصبحت في متناول الجميع بنوعيات حديثة وذات دقة عالية في التصوير.

 ثقافة التبليغ عن المناورات الخطيرة سلوك محبذ لمواجهة مآسي حوادث المرور

 تشكل ثقافة التبليغ عن المناورات الخطيرة والسياقة المتهورة المرتكبة من طرف العديد من سائقي المركبات عبر طرقات الوطن سلوكاً قد يساهم بشكل فعال في مكافحة هذه الظاهرة والتقليل من الماسي التي تخلفها حوادث المرور بشكل شبه يومي، ويعد تبليغ المواطن عن تلك المناورات الخطيرة من خلال الاتصال المباشر بمصالح الدرك والأمن الوطنيين ودعم تلك البلاغات بمقاطع مصورة توثق المخالفات المرتكبة بمثابة عامل رادع وعملي لمواجهة سلوكيات طائشة للعديد من السائقين المتهورين المتسببة في وقوع العديد من الضحايا عبر الطرقات، ورغم أهمية ثقافة التبليغ كأسلوب ردعي واستباقي للحد من حوادث المرور إلا أنها تخضع لقواعد وضوابط لابد من احترافها ولذا عملت الأسلاك الأمنية على استحداث قنوات اتصالية رسمية تؤطر العملية على غرار التطبيقات الخاصة بسلكي الدرك والأمن الوطنيين.

 الدرك الوطني بعين البنيان يطيح بعصابة أحياء إثر تداول مقاطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي

على إثر تداول مقاطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتعرض أشخاص إلى الاعتداء بالضرب والتهديد بسلاح أبيض وفي إطار المحافظة على الأمن والسكينة العموميين وحماية المواطنين وممتلكاتهم باشرت الفرقة الإقليمية للدرك الوطني بعين البنيان بفتح تحقيق في القضيتان حيث ظهر في الفيديو الأول شخصان قاما بحجز فتاة مع الاعتداء عليها وتعذبيها بشتى الأنواع والطرق مع السب والشتم وكذا تصويرها دون إذن منها في ظروف مهينة، والفيديو الثاني يظهر فيه شخص يتعرض للتعذيب والضرب والتهديد بسلاح أبيض من طرف نفس الأشخاص مما زرع الرعب والذعر وسط السكان، الأمر الذي خلق جو إنعدام الأمن العام وتعريض حياة المواطنين للخطر والمساس بالحياة الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي , وحسب بيان لمصالح الدرك الوطني فإنه بعد القيام بعمليات تحري دقيقة وتنشيط عنصر الاستعلامات وتكثيف التحريات مع تتبع وترصد تحركات أفراد العصابة وخاصة المشتبه فيه الرئيسي تم وضع خطة أمنية محكمة رفقة أفراد المفرزة الخاصة للتدخل للدرك الوطني بالمعالمة وبالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة، تم تفتيش ومداهمة 9 مساكن للمشتبه فيهم حيث أسفرت العملية من توقيف 5 أشخاص متورطين مع حجز أسلحة بيضاء من مختلف الأنواع والأحجام و 6 أكياس صغيرة بها مادة الكوكايين، ميزان الكتروني وكذا مبلغ مالي من العائدات الإجرامية وهواتف نقالة، بعد استيفاء جميع الإجراءات القانونية سيتم تقديم المتورطين أمام السيد وكيل الجمهورية المختص إقليميا.

الأخصائي النفسي محمد بن منصور:

“ثقافة التبليغ عبر التكنولوجيا تعكس وعيا متزايداً لدى الجزائريين”

 يرى الأخصائي النفسي محمد بن منصور أن ثقافة التبليغ عبر التكنولوجيا تعكس وعيا متزايداً لدى الجزائريين، الذين باتوا يعتبرون توثيق العنف واجبا وطنيا وأخلاقيا، بدلاً من الصمت أو الاكتفاء بدور المتفرج أما من الناحية القانونية يوضح ذات الأخصائي أن تسجيل الاعتداءات بالصوت والصورة يختصر مسار التحقيق، ويمكن للعدالة من الوصول بسرعة الى الحقيقة، مضيفاً أنه ومن جانب آخر وفرت مواقع التواصل الاجتماعي فضاء جديداً لتداول هذه الأدلة موضحاً أن هذا ما ضاعف من حجم الرقابة الشعبية على الظواهر السلبية في الشارع، فالمواطن الذي يشارك مقطعا موثقا لا يفضح المعتدي بل يبعث برسالة قوية مفادها أن المجتمع الجزائري يرفض الجريمة بكل أشكالها، وأكد ذات المتحدث أن هذا البعد التكنولوجي رغم ما يحمله من تحديات مرتبطة بالخصوصية، يبقى جانباً إيجابيا يعكس ديناميكية جديدة في مواجهة الجريمة، موضحاً أن المواطن اليوم ليس مجرد متلق للحوادث، بل فاعل مباشر في صياغة الأمن ويساهم بعدسته في نشر ثقافة الاحتكام إلى القانون مؤكدا أن التبليغ لم يعد سلوكاً فردياً معزولاً، بل ممارسة حضارية تضمن أمن المجتمع.

 الأستاذ سفيان جديات محام وناشط حقوقي ورئيس المؤسسة الجزائرية للوقاية من العنف:

“توثيق الجريمة بالفيديو قد يتحول إلى سلاح سلبي إذا أستعمل خارج الضوابط”

أوضح الأستاذ سفيان جديات محام وناشط حقوقي ورئيس المؤسسة الجزائرية للوقاية من العنف أن الجزائر شهدت خلال السنوات الأخيرة انتشاراً واسعاً لظاهرة توثيق الجرائم بالفيديو، من طرف أشخاص عاديين كانوا شهودا على الواقعة، موضحاً أنه ورغم أن هذه التسجيلات لعبت دوراً مهماً في كشف العديد من الجرائم والتعرف على مرتكبيها، إلا أن لها أبعاد قانونية واجتماعية تتطلب وقفة جدية، وأوضح الأستاذ جديات أنه ومن منظور القانون الجزائري أن التسجيلات المرئية تعتبر وسيلة إثبات مقبولة أمام القضاء، شريطة أن تستوفي فيها الشروط القانونية واهمها أولا أن تكون التسجيلات اصلية وسليمة تقنيا، دون تعديل او فبركة المادة 212 من قانون الإجراءات الجزائية المتعلقة بطرق الإثبات، ثانياً أن يتم الحصول عليها دون المساس بحرمة الحياة الخاصة للأشخاص، إلا في الحالات التي يجيزها القانون المادتان 303 مكرر و303 مكرر 1 من قانون العقوبات حماية الحياة الخاصة، ثالثاً أن يتم تقديمها أمام الجهات المختصة الضبطية القضائية أو النيابة العامة بدل نشرها على وسائل التواصل الإجتماعي المادة 11 من قانون الإجراءات الجزائية سرية التحقيق، وأوضح الأستاذ جديات أن المحاكم تعتمد على هذه الأدلة في الإدانة متى تأكدت من صحتها، كونها تشكل دليلاً ماديا مباشراً على ارتكاب الجريمة موضحاً أن الإبلاغ عن الجرائم وتقديم الأدلة يكون مباشرة للسلطات المختصة وفق ما يقره القانون والامتناع عن نشر المقاطع التي تحتوي على مشاهد عنف حفاظاً على السلم الاجتماعي واحتراماً لحقوق الضحايا، مشيراً على وجوب تعزيز الوعي القانوني لدى الجمهور حول خطورة تداول المحتوى الإجرامي خارج الأطر الرسمية، وأكد الأستاذ جديات أن مواجهة الجريمة مسؤولية جماعية، وتوثيقها بالفيديو يمكن أن يكون أداة قوية في خدمة العدالة اذ تم التعامل معه في الإطار القانوني لكنه قد يتحول الى سلاح سلبي إذا أستعمل خارج الضوابط، مشددا على ضرورة تضافر الجهود بين السلطات والمجتمع المدني ووسائل الإعلام للحد من الانعكاسات السلبية لهذه الظاهرة وحماية السلم والأمن الإجتماعيين.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى