ثقافة وفن

“تغيير النظام” في واشنطن: كيف حوّل ترامب الرئاسة الأمريكية إلى سلطة إمبراطورية؟

البروفيسور/ محمد خوجة

صدر يوم الثلاثاء 23 جوان كتاب مهم عن منشورات ‎ Simon & Schuster، للصحافيين: ماغي هابرمان Maggie Haberman وجوناثان سوان Jonathan Swan تحت عنوان :

تغيير النظام: داخل رئاسة دونالد ترامب الإمبراطورية

Regime Change: Inside the Imperial Presidency of Donald Trump

يغطي الكتاب السنة الأولى من رئاسة ترامب الثانية، وهي فترة تحررت من كل القيود التي طبعت رئاسته الأولى. رحل الجنرالات الذين كانوا يرفضون طلباته، وتعلم المحامون المتبقون فن اختيار معاركهم. تجاهلت إدارته أوامر المحاكم، وادّعى صلاحيات كان الكونغرس يقيدها. ما تبقى هو رئيس مستعد لتحمل مخاطر جسيمة، قلبت الأسواق العالمية رأسًا على عقب، وأطاحت برؤساء دول؛ رئيس إمبراطوري يتصرف وفقًا لغريزته وحدها.

استنادًا إلى مئات المقابلات وتقارير غير مسبوقة، من داخل أروقة الإدارة الأكثر حراسة، يأخذنا الكتاب إلى كواليس غرفة العمليات، وإلى مداولات المكتب البيضاوي السرية، التي أشعلت حربًا جديدة في الشرق الأوسط، وشهدت قيام ترامب بإغلاق الحدود، ونشر قوات الحرس الوطني في المدن، وإرسال عناصر الهجرة إلى اشتباكات دامية مع المتظاهرين. يُطلعنا الكتاب على كواليس رئاسة غيّرت الثقافة، وحوّلت وزارة العدل إلى أداة انتقام من أعداء الرئيس، والمنصب نفسه إلى أداة سافرة لتحقيق الربح. ويكشف الكتاب عن ولاية ثانية مدفوعة بمفارقة تاريخية أدركها ترامب نفسه: أن لوائح الاتهام، والإدانات، ومحاولات الاغتيال، وأربع سنوات من المنفى لم تجعله أضعف، بل جعلته أقوى بكثير، وأكثر انتقامًا، وأكثر استعدادًا للمقامرة من أي رئيس في التاريخ الحديث.

يروي الكتاب قصة استخدم ترامب للسلطة الأمريكية بشكل مختلف، وفشل من حاول إيقافه، وهي تشبه قصة أمر اعتاد الصحفيون الأمريكيون توثيقه في عواصم بعيدة أكثر من عواصمهم: رئيس غيّر جوهرياً طبيعة منصبه، ومعه فهم العالم للقوة الأمريكية. إنها رواية لتغيير نظام الحكم في أمريكا، كتاب ٌ بارزٌ يُوثّق لحظة بلحظة لرئاسة حديثة لا مثيل لها.

يروي المؤلفان أن المفارقة الكبرى هي أن نجاح الديمقراطيين في هزيمة ترامب عام 2020، وملاحقته القانونية لاحقاً، هو ما حوّله إلى أقوى رئيس في العصر الحديث. في ولايته الأولى، كان ترامب محبطاً ومقيداً بمؤسسة الحزب الجمهوري التقليدية و”الدولة العميقة”. أما في ولايته الثانية، فقد عاد بـ “ترامب نقي” Pure Trump ؛ مسلحاً بفريق من الموالين المتشددين، وخطة انتقامية واضحة، واستعداد لتحطيم كل الأعراف والمؤسسات. لقد تعلم من أخطائه، ولم يعد يثق بأحد سوى دائرته المغلقة، مما جعله يحكم بقبضة من حديد مدعومة بالسلطة التنفيذية المطلقة.

يبدأ الكتاب ليلة رأس السنة الميلادية 31 ديسمبر 2025 في مار-آ-لاغو، حيث يحتفل ترامب بنجاحات ولايته الأولى. في الخلفية، تُخطط إدارة ترامب لعملية عسكرية جريئة لاختطاف الدكتاتور الفنزويلي نيكولاس مادورو، بينما تلوح في الأفق أزمات محلية وخارجية وشيكة ستختبر غرور الرئيس.

ينقسم الكتاب الى ثلاثة أجزاء تضم 33 فصلا في الجزء الأول: دوامة Whirlwind والتي تشمل الفصول من الأول إلى 13،في الفصل 1: الذي يتعلق بإنتقال السلطة؛ لقاء ترامب الودي والمفاجئ مع بايدن، وخضوع كبار مسؤولي التكنولوجيا (مثل زوكربيرغ وبيزوس) لترامب في مار-آ-لاغو.

وفي الفصل 2: الذي يشرح عملية اختيار كبار المسؤولين في البيت الأبيض؛ ترامب يختار ولاءه الشخصي فوق الخبرة (مثل بيت هيغسيث وماركو روبيو)، ويصدر عفواً شاملاً عن متهمي أحداث 6 جانفي.

في الفصل 3: يتناول الكتاب صعود ستيفن ميلر؛ وحصوله على سلطات هائلة، وبداية الفوضى بسبب تجميد التمويل الفيدرالي (أزمة الميزانية).

في الفصل 4:يناقش الكتاب سياسة ترامب مع أوكرانيا وروسيا؛ وكيف يتجاهل ترامب خبراءه، ويعتمد على صديقه رجل الأعمال ستيف ويتكوف للتفاوض سراً مع بوتين.

في الفصل 5:يناقش نشاط إيلون ماسك في البيت الأبيض مع فريقه “دوج” (DOGE)؛ حيث سعى ايلون ماسك لتفكيك البيروقراطية الفيدرالية بعقلية الشركات، مما يسبب فوضى في الوكالات مثل الوكالة الأمريكية للمساعدات USAID.

في الفصل 6: يتناول قيام وزير الخارجية ماركو روبيو بنشاط مكثف مع السلفادور؛ والتفاوض مع الرئيس بوكيلي لاستخدام سجونه (CECOT) كسجن للمهاجرين المرحلين من أمريكا.

في الفصل 7: يحلل الكتاب دبلوماسية ستيف ويتكوف؛ ونجاحه في الإفراج عن رهينة أمريكي في روسيا مارك فوغيل، وفتح قنوات سرية مع بوتين.

في الفصل 8: يخصص لنتنياهو وسعيه للحرب ضد إيران؛ يشرح زيارات نتنياهو لواشنطن وضغطه بشدة لقصف إيران، وكيف أن ترامب طرح فكرة غريبة بأن “تمتلك أمريكا غزة”.

في الفصل 9: يسرده لصراع ماسك مع فريق ترامب؛ والذي انتهى بشجار ماسك مع روبيو ووزراء آخرين، مما يؤدي إلى تراجع نفوذه في البيت الأبيض.

في الفصل 10: يشرح الكتاب هوس التعريفات الجمركية؛ وكيف يستلهم ترامب من عصر الرئيس الأمريكي “ويليام ماكينلي” ويخطط لحرب تجارية عالمية.

في الفصل 11: يناقش سيل الأوامر التنفيذية؛ كإعلان حالات طوارئ وهمية مثل طاقة والحدود، ولقاء ترامب مع الرؤساء التنفيذيين لشركات النفط لتخفيف القيود.

يشرح الكتاب في الفصل 12 تراجع ماسك؛ وكيف قام ترامب بإيقاف اندفاع ماسك في التسريح الجماعي، وفي كبح جماح “دوج”.

في الفصل 13: يسرد الكتاب وقائع ما حدث في “يوم التحرير” (Liberation Day)؛ وكيف فرض ترامب تعريفات جمركية كارثية، مما يسبب انهياراً في الأسواق، فيضطر للتراجع وإيقافها لـ 90 يوماً.

في الجزء الثاني من الكتاب التي تضم الفصول من14 إلى 23 والتي خصصت لعمليات انتقام دونالد ترامب، في الفصل 14: يشرح إستهداف ترامب يستهدف لمكاتب المحاماة مثل Paul Weiss والجامعات خاصة هارفارد ووسائل الإعلام (ABC/CBS) لإخضاعها مالياً وقانونياً.

في الفصل 15: يتناول ملاحقة أعداء ترامب؛ وشرح خلفية قضية المدعية العامة ليتيشيا جيمس، وصعود شخصيات مثل بيل بولتي ولورا لومر لتطهير الأجهزة الأمنية.

في الفصل 16: يتطرق لأزمة “الإحضار” Habeas Corpus ؛ ميلر وترامب يبحثان تعليق الحقوق الدستورية للمهاجرين، واستخدام “قانون الأعداء الأجانب” لترحيلهم للسلفادور دون محاكمة.

يشرح الفصل 17: ديناميكيات التي تحكم المكتب البيضاوي في عصر ترامب؛ فهو يحكم من خلال جلسات غير رسمية، ويعتمد على دائرة ضيقة جداً، مع شرح ظهور علامات واضحة على تقدمه في العمر.

يشرح الفصل 18: الحرب على إيران (الضربة الأولى)؛ وكيف اقنع نتنياهو ترامب بالمشاركة في قصف المواقع النووية الإيرانية في عملية Midnight Hammer رغم معارضة نائب الرئيس فانس.

في الفصل 19: تناول الحرب الثقافية؛ وكيف حاول ترامب السيطرة على “مركز كينيدي” و”السميثسونيان”، وفرض رقابة على المعارض التي تتحدث عن العبودية أو تدعم حقوق المتحولين جنسياً.

أما الفصل 20: فقد شرح كيف سيطر ترامب على الكونغرس؛ وتمرير “مشروع القانون الكبير والجميل” (Big Beautiful Bill) عبر إخضاع الجمهوريين بالكامل لتهديدات ترامب الانتخابية.

في الفصل 21: يحكي انفصال ماسك وأزمة “إبستين”؛ وكيف هاجم ماسك ترامب بسبب ملفات إبستين، وكيف قامت إدارة ترامب بالتستر على الملف مما يغضب قاعدته الشعبية.

تناول الفصل 22: الحرب على الاحتياطي الفيدرالي؛ ومحاولة دونالد ترامب إجبار جيروم باول على خفض الفائدة، ومحاولات ترامب لطرد عضوة الفيدرالي ليزا كوك.

في الفصل 23: يتحدث عن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا؛ وكيف تحالف ترامب مع جنسن هوانغ (Nvidia) وأخذ حصة 10% من شركة Intel مقابل الدعم الحكومي.

في الجزء الثالث: العدو في الداخل The Enemy Withinوالذي يشمل الفصول من 24 إلى 27، في الفصل 24: عسكرة المدن الأمريكية؛ يحكي قيام ترامب بنشر الحرس الوطني والقوات في لوس أنجلوس، شيكاغو، وواشنطن العاصمة بحجة مكافحة الجريمة والهجرة.

في الفصل 25 يتعرض لتوظيف ترامب لوسائل التواصل؛ حيث تبنى ترامب أسلوباً عدوانياً وساخرًا ،(Memes) ، لاستخدام وسائل التواصل كسلاح عدواني لنشر الرعب بين المهاجرين ومهاجمة اليسار.

يحكي الفصل 26 اغتيال تشارلي كيرك؛ الناشط اليميني الشاب، والصدمة التي ثيرها الحدث، وكيف يستخدمها ترامب وميلر ذريعة لسحق منظمات اليسار ووصفها بـ”الإرهابية”.

في الفصل 27: يتناول محاولات ترامب الفاشلة؛ بالضغط بشدة لاتهام جيمس كومي وليتيشيا جيمس، لكن المحاكم تسقط التهم بسبب تعيينات غير قانونية.

في الجزء الرابع: النهب (Plunder) – الفصول 28 إلى 33

يتناول الفصل 28: “عقيدة ترامب” monroe Doctrine ; يشرح مفهوم هذه العقيدة بقيام ترامب بأعطاء أوامر بقصف قوارب المخدرات في الكاريبي بصفتها “إرهابيين”، وكيف أدى ذلك الى تمهيد الطريق للتدخل في فنزويلا.

يتناول الفصل 29: صفقة غزة؛ وقيام كوشنر وويتكوف بالتفاوض سراً مع حماس وبعض الدول العربية لوقف إطلاق النار، وتشكيل “مجلس السلام” لإعادة الإعمار.

يحكي الفصل 30: رؤية ترامب خلافته في 2028؛ والمنافسة وعلاقات التوتر بين فانس وروبيو كخلفين محتملين.

يتناول الفصل 31 زيادة الثروة لدى عائلة ترامب؛ بشكل هائل عبر عملات مشفرة مدعومة من صنادق سيادية خليجية، وإصدار قوائم عفو مشبوهة.

في الفصل 32 يتناول الغرور والهندسة المعمارية عند ترامب؛ فهو يغير أسماء مؤسسات (مركز كينيدي، معهد السلام)، ويخطط لبناء “قوس ترامب” الضخم.

يحكي الفصل 33: وقائع اختطاف مادورو وأزمة مينيسوتا؛ وكلاء الهجرة يقتلون أمريكيين في مينيسوتا مما يثير غضباً محلياً، وفي 3 جانفي 2026 تنجح قوات دلتا في اختطاف مادورو من كاراكاس.

في الخاتمة يروي مؤلفا الكتاب وقائع لقاؤهما بترامب في مارس 2026 في المكتب البيضاوي، بينما تخوض أمريكا حرباً مع إيران،. وكيف انه بمزيج من الغرور واللامبالاة، متباهياً بأن قوته تفوق غزاة التاريخ، ومقتنعاً بأن “الانتخابات كانت مزورة”، وأن معاناته السابقة هي ما منحته هذه القوة الإمبراطورية المطلقة. وبدلاً من القلق، يقدم ترامب لهما وثيقة كتبها أحد أصدقائه تقارنه بـ “جنكيز خان، نابليون، وهتلر”، وتخلص هذه الوثيقة إلى أن ترامب هو “الرجل الأقوى في تاريخ الكوكب”.

هنا، تبرز الرسالة الأعمق للكتاب: ترامب لم يعد يرى نفسه مجرد رئيس لجمهورية، بل “شخصية تاريخية عالمية” بالمفهوم الهيجلي، مهمتها هدم عصر بأكمله وتأسيس عصر جديد.

الاستنتاجات الرئيسية للكتاب

1-نهاية الأعراف والمؤسسات التقليدية :

يثبت الكتاب أن ترامب في ولايته الثانية لم يكتفِ بتجاوز الأعراف، بل قام بتفكيكها تماماً. وزارة العدل، الاحتياطي الفيدرالي، الكونغرس، ووسائل الإعلام، كلها فقدت استقلاليتها وتحولت إلى أدوات لخدمة أغراض الرئيس الشخصية والانتقامية.

2- الحكم بناءً على “الانتقام” والولاء الشخصي:

لم تكن السياسة هي المحرك الأساسي، بل “المكافأة والمعاقبة”. الكابينة والكونغرس والقضاة لا يعملون لصالح الدستور أو الحزب، بل خوفاً من غضب ترامب أو طمعاً في مكافآته. الولاء المطلق (حتى لو كان على حساب الكفاءة) هو الشرط الوحيد للبقاء.

3-السياسة الخارجية كصفقات عقارية (الواقعية المفرطة):

تعامل ترامب مع العالم ليس من خلال أيديولوجية أو تحالفات تقليدية، بل كصفقات عقارية. أوكرانيا، غزة، إيران، وفنزويلا، كلها أصول يمكن التفاوض عليها، بيعها، أو تدميرها بناءً على “الصفقة” التي تخدم صورة ترامب كـ”صانع سلام” أو “قوي”.

4-الفساد المأسوس (Institutionalized Corruption):

لم يعد ترامب يفصل بين مصلحته الشخصية ودولته. من العملات المشفرة (World Liberty Financial) المدعومة بأموال سيادية خليجية، إلى قبول طائرة من قطر، واستخدام التعريفات الجمركية لابتزاز الشركات، وصولاً إلى الاستحواذ على حصص في شركات خاصة (Intel).

5- استخدام “الفوضى” و”الغرور” كأدوات حكم:

اعتمد ترامب على خلق أزمات مفتعلة مثل إغلاق الحكومة، أو التراجع عن التعريفات في اللحظة الأخيرة، أو قصف قوارب دون أدلة، لإبقاء الخصم في حالة رعب، ولإثبات أن “النظام القديم” فاشل وأنه هو الوحيد القادر على السيطرة.

6-الخطر الوجودي على النظام العالمي:

يخلص الكتاب إلى أن ترامب أنهى عملياً “النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية”. من خلال تجاهل الحلف الأطلسي، وشن حروب دون موافقة الكونغرس، ومعاقبة الحلفاء تجارياً، أثبت ترامب أن الولايات المتحدة لم تعد حليفاً يمكن الاعتماد عليه، بل قوة عظمى تتصرف كـ”مافيا دولية”.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى