تأنيث الخطاب المسرحي العربي.. فتحية العسال أنموذجا

نورالدين مبخوتي (تلمسان)
من المفارقات العجيبة إبداعيا أنّ المرأة التي خاضت تجربة الكتابة في أجناس أدبية كثيرة، وحققت مكاسب لا يستهان بها، فإنّ التأليف المسرحي ظل عصيًّا عليها بل حكرا على الرجل تاريخيًّا، وإنّ استقراء المنجز الكتابي المسرحي الإنساني برمته، منذ فجر التاريخ حتى الراهن، يؤكد حقيقة مُرّة مفادها أنّ الخطاب المسرحي ذكوري بامتياز، إنسانيًّا وعربيًّا، وقليلة هي التجارب في هذا الحقل، وتعدُّ على رؤوس الأصابع، ويمكن أن نستحضر مثلا تجربة الشاعرة الجزائرية فوزية لا رادي في مسرحيتها “البوقالة”، والكاتبة التونسية حياة الرايس في مسرحيتها “سيدة الأسرار عشتار” لكن تبقى تجربة الكاتبة المسرحية المصرية الراحلة فتحية العسال، الأكثر ثراء، وخصوبة، ونضجا، إذ تشير المصادر أنّها دشنت مشوارها المسرحي، منذ نهاية الستينيات، بمسرحية “المرجيحة” وتراكم مدُّها الإبداعي بتدفق الزمن، وأصدرت سلسلة من الأعمال المسرحية الوازنة التي وجدت طريقها للتجسيد ركحيًّا نذكر منها:
– نساء بلا أقنعة: الهيئة العامة المصرية للكتاب 1985.
– سجن النساء: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1993.
– البين بين: الهيئة العامة للكتاب 2002.
بالإضافة إلى ذلك، فللكاتبة عدّة أعمال مسرحية كانت قيد الطبع، وهي: مسرحية “الخرساء” ومسرحية “لاء” ومسرحية “شجرة الصبار”. ونالت الكاتبة جوائز معتبرة، وتعدُّ ثاني شخصية عربية تكفلت بكتابة كلمة اليوم العالمي للمسرح سنة 2004، بعد المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس.

قوة مشروع فتحية العسال المسرحي يتجسّد أولا من خلال رهانها على ترسيخ فعل الكتابة المسرحية النسائية الغائبة المغيّبة في المشهد الأدبي العربي جرّاء ظروف تاريخية معقّدة تحتاج لمقاربات واسعة لا يتّسع مجال تحليلها في هذا المقام. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ منجزها الكتابي المسرحي يراهن على تأنيث المتن المسرحي من خلال طرح قضايا المرأة والأنوثة بعمق، كما نلمس ذلك في رائعتها “سجن النساء” التي كانت ثمرة تجربة اعتقال سياسي عاشته الذات المبدعة، ومن هنا كان هذا التفوُّق في الأداء المسرحي بسبب هذه المعايشة الحية للوقائع في فضاء السجن، بحيث استعرضت الكاتبة نماذج من شخصيات نسائية مسحوقة اجتماعيا، وسياسيا لكن رغم حالة الوجع البائسة تتميز بعض الشخصيات النسائية بعمق إنساني باذخ. الممتع في هذه المسرحية الجماليات الفنية العالية، خاصّة في ترويض العامية لخدمة الفعل الدرامي، وتوظيف الموروث الشعبي المصري ممثلا في الزار؛ وهو احتفال عريق، ناهيك عن توظيف تقنيات المسرح العالمي، وتحديدا تقنية المسرح داخل المسرح التي اشتغل عليها مكثّفا المسرحي الإيطالي بيرانديلو.





مع الإبداع و النجاحات
دائما مع الإبداع و التوفيق