باحثٌ جزائريٌّ يُعيد تأصيل ألفاظ عاميّة بالاعتماد على معجم لسان العرب

في كتابه “معجم الألفاظ العامية الفصيحة” (313 ص)، الصّادر عن دار بصمة علمية للنشر والترجمة والتوزيع بالجزائر، قام الباحث الجزائريُّ، د. مالك عماري، بجهد معتبر لإعادة أكثر من 1500 لفظًا يتمُّ الحديث به وتداوله في اللّهجة العامية (الدارجة) بمنطقة تيارت، إلى أصولها في اللُّغة العربية الفصحى، اعتمادا على ما جاء في معجم “لسان العرب” لابن منظور (630هـ/ 1232م).
ويؤكّد مؤلّف الكتاب، لموقع “24 ساعة”، بأنّ فكرة هذا العمل البحثي تحوم حول البحث في العلاقات التي تربط الألفاظ المتداولة على ألسنة العامة بمنطقة تيارت، (وهي المنطقة التي كانت تعرف تاريخيًّا باسم تيهرت)، باللّفظة القديمة التي تعدّ نموذجا أصيلا للسان العرب، من خلال تتبّعها على الألسنة، وهي مقارنة تاريخيّة اجتماعية حضارية، تسمّى في علم المصطلحات بـ “علم التأثيل” أو “الدّراسات الإتيمولوجية”، والتي تندرج تحت مظلّة الدّراسات اللّسانية.

ويضيف صاحب الكتاب بالقول “ما ذكرتُ تولّد عنه معجمٌ يضمُّ ألفاظا تتداول على ألسنة العامّة بمنطقة تيهرت، ولها وجودٌ في لسان العرب الفصيح، على الرغم من أنّ استعمالات اللّغة العربية المستحدثة المتداولة على ألسنتنا قد فقدت بعض الصحّة اللّغوية من حيث المبنى (نطق الأصوات مَخرجًا وصِفة)، لكن ومع هذا فقد بقيت تحافظ على بعض الصحّة من حيث المعنى، وقد أحصيتُ في مسالك البحث ما يزيد عن 1500 لفظة، معتمدا منهجية علمية (الاستقصائية، والسلوكية)، وقد كان لهذه الأخيرة اليد الطولى في عملية الإحصاء”.
وممّا جاء في مقدمة الكتاب حول مدينة تيهرت تأكيد المؤلّف بأنّ الحديث عن هذه المدينة لا تستوفيه عبارة، ولا يحدُّه وصف، كيف لا وقد كان لها حظٌّ من الحضارة، ونصيبٌ من العراقة، والمدنية ما لم تبلغه مدينة من مدن الجزائر إلا الدولة الحمادية، كما يؤكّد المؤرخون، إذ يقول عبد الرحمن الجيلالي “ليست هناك دولة من الدول الإسلامية الجزائرية كانت تداني هذه الدولة فيما بلغته من الرقي والازدهار المادي والأدبي سوى حضارة الدولة الحمادية التي تلألأت أنوارها بالقلعة وبجاية، فلقد بلغت تيهرت يومئذ شأوا عظيما من المدنية والعمران، ومن توفُّر أسباب الحضارة والرفاهية حتى أنّها تُشبّه وتُقارن بقرطبة وبغداد ودمشق من عواصم الشرق اللامعة”.
ويُشير صاحب هذا المعجم بالقول “لا يخلو هذا العمل من إدراج ما يفوق ثمانين، ما بين مثل شعبي وحكمة وألغاز، لها علاقة باللّفظة المراد تحقيق نسبتها إلى لسان العرب، ولم أقف عند هذا الحدّ فرُحت أزاوج بين وصف الألفاظ الذي يصاحبه التحقيق والشرح، وذكر الكثير من المجازات اللّغوية التي تحيا معنا في تداولاتنا اللّسانية، وهذا من باب إظهار حركيّة اللّغة، وقدرتها على خلق أنظمة توليدية مميّزة تسهّل عملية التواصل بين أفراد الجنس الواحد. كما حاولت في هذا المعجم اللّغوي أن أتتبّع منهجية الترتيب الألف بائي، مع الحرص أن يكون هذا الترتيب حسنا سهلا وضعه، مضبوطا شرحه وبسطه، محكما تأليفه ونظمه. وأبت نفسي بعد أن أنهيتُ رسم المعجم اللّغوي إلّا أن أسهلّه بمدخل ضمّنته التعريف بمدينة تيارت، قديما وحديثا، وهذا لِما كانت تحظى به هذه المدينة من مكانة حضارية ذاع صيتُها في الأقطار، وانتشر خبرُها كالهشيم في النّار، متناولا جوانب مختلفة عن بنية الحياة: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعلمية، ولم أنس بنيتها الجغرافية وتعداد سكّانها”.
يُشار إلى أنّ الباحث، د. مالك عماري، حاصلٌ على شهادة دكتوراه في الدراسات النقدية، ويشتغل حاليًّا أستاذًا بكلية الآداب واللُّغات والفنون بجامعة عبد الرحمن بن خلدون بولاية تيارت (غرب الجزائر)، وقد سبق له أن أصدر كتابين بيداغوجيين موجّهين للطلبة، أوّلهما بعنوان “نظرية الأدب”، وثانيهما بعنوان “البلاغة العربية”. كما أصدر مجموعتين قصصيّتين، ورواية بعنوان “نبض الأوراس”.




