صوت وصورة

اليامين بن تومي يستعرض مفهوم “السّرد الأمومي” من خلال نصوص فاطمة المزروعي

أحمد خيرالدين

يقول د. اليامين بن تومي، في تقديم كتابه “السّرد الأمومي”، بأنّ “الكتابة فعل يَتحرَّكُ من خلال تدوير الأصابع، وهي كما هو معلوم فعل صلب وذكوري،  يحتاج إلى القوة، فعن طريقها يمكن للأنثى أن تقتحم عالم الذُّكورَةِ، وتعمل على تحويله لصالحها؛ أي إن داخل فعل الكتابة تُمارسُ الأنثى شكلا من أشكال مُحَاصرة الذُّكورة، إنها نفس لعبة الاغتصاب التي تَعرَّضت لها في تاريخها، وعليه فالكتابة وحدها من تُنصف الأنوثة؛ أي إنها ليست ممارسة فعل التَّبرج في مقابل فعل التَّستر الذي يَفرضه العالم الأُمومي، فداخل اللُّغة يمكن أن تُحوِّل الأنثى الذّكر إلى مجرّدِ مُمثِّل حقير في لعبة الإدانة، حين تُوجَّهُ جميع أصابع الاتهام إليه”.

ويؤكّد مضيفًا “وعليه، في عمق الكتابة وعلى جسدها، تُطَبِّبُ الأنثى جميع الجروح التي لحقتها من هذا العالم الذُّكوري الذي أدى بها إلى الانغماس في عالم مظلم، يرتكز أساسا على الذاكرة التي تُعوضها عن تاريخ الإساءة التي لحقتها. تتعلَّقُ الأنثى بأحابيل المواجهة الجسورة، لتصبح هي في ذاتها كائنا صلبا، مع المحافظة على خصوصياتها السَّائلة كأن تتحدث عن أشيائها الأنثوية، وهي شكل من أشكال التَّلوين والتمويه الذي يُعيدُ للكتابة شكلها التاريخي”.

ويستطرد مؤلّف الكتاب “على هذا الأساس المتين قمنا بتأمل فلسفي عميق للظاهرة النِّسوية برمّتها، وما أفرزته هذه من ملابسات مفهومية ومعرفية، إذ بيّنا بالدليل الاختلاف الثقافي البيّن و الواضح بين وضعية المرأة في الثقافة العربية ووضعيتها في الثقافة الغربية، ما جعل تلك البنية المفهومية التي تم تداولها في الفضاء الفلسفي الغربي لا تجد لها أرضا تحتضنها في ثقافتنا العربية، لأنّ المفهوم هو وليد بُنى أخلاقية وسوسيولوجية وحضارية تنشأ في العادة من تراكم تلك المُحفِّزات لِتُولِّد لنا نموذجا معرفيا معينا، لذلك نجد أن النشاط المفهومي والمعرفي يختلف من بيئة إلى أخرى، وعليه؛ علينا أن نعيد غربلة ذلك المحصول النظري لما يسمي بالنِّسويات الغربية.

هذا المسار التقويمي لتلك النِّسويات هو ما دفعنا لنُعيد تدقيق المصطلحات والمفاهيم بشكل حصيف وعلمي، يُراعي الشُّروط الحضارية والثَّقافية لوضع المرأة في عمق البنية الثقافية العربية، لذلك رفضنا كل المصّوغات النظرية والمفهومية لما يسمى في الأدبيات بـ “النِّسويات”، وعرضنا بديلا مفهوميًّا سميناه بـ “الأُموميَّة” وأطلقنا على هذه الدراسة عنوان “السَّرد الأُمُوميُّ”، مع توضيح هذا المفهوم وإعطائه بُعدًا معرفيا عميقا يتماشى مع التَّصور العام للمفهوم، وهو سرد يقومُ عن أساس الكيان الأخلاقي والثقافي للمرأة العربية”.

وقسّم د. اليامين بن تومي الكتاب إلى خمسة فصول، ومدخل عام؛ بَيَّن فيه التهافت النظري الذي لحق البنيان المفهومي والنظري لما يسمّى بـ “النِّسويات”.

د. اليامين بن تومي

في الفصل الأول؛ بيانٌ للخط المنهجي الذي سوف نهتدي به في بحث النصوص أو المدونة التي نشتغل عليها، فوضحنا بمزيد من الشرح والتحليل إمكانية أن تُنجز المرأة مشروعا روائيا؟ وماهي السِّمات التي تتميَّزُ بها الكتابة الأموميَّةُ عن الصلابة التي يتميز بها الإطار العام لما نسميه مشروعا روائيا؟ واحتكمت في تحليل ذلك إلى مدونة فلسفية متميزة أفدنا منها في تخريج هذا التَّقريب.

أمّا الفصل الثاني؛ فقد أبان فيه عن المنهج المناسب لعلاج النصوص الأمومية؛ هو المنهج السيميائي الأهوائي، ذلك أنّ الأم هي منبت الهوى، تبذله لأبنائها، بل تزرعه في محيطها إلى درجة يصبح معه المحيط عبارة عن بنيان استهوائي، وهنا يخرج الهوى عن كونه متعلقا بالذَّات إلى كونه فاعلا على مستوى الخطاب؛ أي الانتقال من سيمياء الفعل إلى سيمياء الأهواء Sémiotique des passions  وفق ما قدّمه “غريماس  وفونتنيي” في كتابهما “سيميائيات الأهواء؛ من حالات الأشياء إلى حالات النَّفس”، حيث تطرّق إلى هذا الفرع المهم من السيميائيات في هذه الدراسة، وفضَّلنا بَذرهُ بشكل تطبيقي على المدونة مع إرفاق الشروحات المفهومية والمصطلحية في الهامش بحسب ما اتسعت له هذه الدراسة.

أما في الفصل الثالث درس رواية “زاوية حادة” للكاتبة “فاطمة المزروعي” وحلّل التوتر الاستهوائي على مستوى الخطاب ككل، انطلاقا من عمق العنوان باعتباره مقدّمة أولى عن المحمول فيها، والمصاحب لها، ومن ثمة المتن الذي يأخذ في شكل مقاطع سردية كبيرة في رسم حدود الشخصيات والعلاقات المختلفة للكون الهووي الذي يرسم حدود الخطاب، وقد كان موتور “الضيق والكآبة” هو النقطة النووية التي حدَّدت مجمل العلاقات الأهوائية في النص، وشكلت من ثمة مجموعة من التكرارات التي حددت الاستهوائيات الفرعية. فنتج عن البنية الاستهوائية الأساسية جملة من العلاقات التبادلية والتوزيعية للاستهوائيات الصغيرة التي حددت طبيعة العلاقة بين الذات والعالم، وبين الذات والموضوعات وطبيعة الحوار الناتجة عن ذلك التوتر الاستهوائي .

وفي الفصل الرابع؛ بحثٌ عن إمكانية تعويم الاستهواء على مستوى الفضاء، وإشكاليات البنية الأهوائية على طول الفضاء الأمومي، وكيف أنّ مدارات العشق تعتبر أساس الذات الأهوائية التي تعبث في عموم الفضاء، لتعمل الكينونة على تنظيم توزيع الحاجات من العشق بحسب الجروح التي يتعرّض لها الممثل في الخطاب، لذلك قمنا بإعادة بناءٍ للعالم الأمومي بتحديد المتكلمين في عمق هذا الفضاء لنقف على البنية التوزيعية للحاجة، وتحديد العلاقات التَّبادلية التي تنشأ بين الفاعلين في الخطاب والممثلين لنقيضه ممن يقومون بمشروع الكراهية، وذلك من خلال تحديد السِّمات العامة لما سمّاه “فضاءً أموميّا”، ومختلف الأشباه والنظائر التي ينظمها هذا الفضاء الأصلي، وكانت رواية “كمائن العتمة” مضمارا لاختبار هذه الإمكانات البحثية.

أما الفصل الخامس؛  فقد عمل فيه المؤلّف، من خلال رواية “قصّتي الأخرى”، على دراسة الامتداد الذي يُشكِّلهُ الضمير الأمومي في غيره من الناطقين في شخص الطفل “عنان” وكيف يمكن للضمير المذكر أن يحمل في عمقه بنية استهوائية تُدِينُ العالم الأبوي الصَّلب، وكيف تتم الحكاية بالوكالة مع رسم أمومي لمختلف الأدوار العاملية التي تحكمه بنية استهوائية واحدة تتركز على فعل الإدانة لهذا العالم المأساوي الذي ينجر عنه تغييب مريع للضمير، وبالتالي طمس الكينونة والإرادة، ليصبح الإنجاز فعلا مستحيلا لا يتحرّر من سلطة الرَّقابة الأبوية إلا لحظة الخروج، وهنا يبدأ التموُّجُ الإستهوائي في النزول والصعود بحسب الحالات القلقة التي تصيب الذات .

ووقف المؤلّف، من خلال النصوص الثلاثة، للكاتبة فاطمة المزروعي “زاوية حادة” و”كمائن العتمة” و”قصّتي الأخرى”، على القيم الأهوائية التي رسمها العالم الأمومي والذي يمُوج بين ثلاثة مشاعر؛ الكآبة والاحتقار والخوف، تعود إلى أصل وضعية الأُمُومة؛ وضعية المستلب والمُفرغُ من داخله نتيجة الرؤية العامة للمجتمع الذُّكوري، لذلك تنشأ الأهواء المقاومة للخروج من هذا المأزق، وهنا تعمل الأمومية على ترتيب وضعها في عمق المجتمع من خلال زرع الحب والثقة ليمكنها استعادة وضعها في البنيان الاجتماعي ومن ثمة في تاريخ الحكاية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى