القمة العربية في الدوحة بعيون اللجنة الوطنية لمناصرة القضية الفلسطينية بمؤسسة تكتل الحصن المتين
بقلم الأستاذة/ وداد حمزة (محامية وناشطة حقوقية)
انعقدت القمة العربية–الإسلامية الطارئة في الدوحة يوم 15 سبتمبر 2025 في أجواء استثنائية فرضها العدوان الإسرائيلي المباشر على قطر. وقد بدا المشهد في ظاهره لحظة نادرة لإحياء التضامن العربي، لكنه سرعان ما كشف عن استمرار المعضلة البنيوية المزمنة التي تعانيها المنظومة العربية: فجوة هائلة بين قوة الخطاب وضعف الفعل. ولم تكن القضية الفلسطينية بعيدة عن هذا المشهد، بل كانت حاضرة كالمعتاد في مستوى الشعارات، وغائبة في مستوى السياسات الفعلية.
فلسطين كاختبار دائم لمصداقية الجامعة
منذ نشأة الجامعة العربية سنة 1945، شكلت فلسطين حجر الزاوية في شرعية الخطاب العربي الرسمي. غير أنّ هذه المركزية كانت، على الدوام، رمزية أكثر منها عملية. فكل قمة تقريباً تتضمن فقرة تؤكد «الدعم الثابت لحقوق الشعب الفلسطيني»، لكن الواقع الميداني ظل يشهد اتساعاً للاحتلال وتآكلاً للحقوق. قمة الدوحة لم تُحدث قطيعة مع هذا التقليد؛ فقد أعادت إنتاج لغة مألوفة، دون أن تُقدم خطة أو آلية ملزمة.
منطق الازدواجية
اللافت أن انعقاد القمة جاء نتيجة عدوان مباشر على إحدى الدول الأعضاء، ما منحها قوة دفع سياسية وأخلاقية. غير أن هذه القوة لم تُترجم إلى رؤية شاملة تُعيد الاعتبار لفلسطين باعتبارها القضية المركزية الجامعة. بل بدت الأولويات متأرجحة بين اعتبارات التضامن الظرفي مع قطر، ومصالح استراتيجية متباينة لكل دولة.
ومما يزيد من عمق هذه المفارقة أن انعقاد القمة تزامن مع إطلاق الجيش الإسرائيلي أحد أعنف هجماته على قطاع غزة. فبينما كانت البيانات تُصاغ في الدوحة، كانت مدينة غزة تتعرض لهجوم بري واسع وقصف جوي مدمر، أدى إلى استشهاد العشرات من المدنيين، بينهم أطفال وصحفيون، وتدمير أبنية سكنية بالكامل فوق رؤوس ساكنيها.
لقد قدم هذا العدوان المتزامن الدليل الأكثر إيلاماً على الفجوة التي يتحدث عنها المقال؛ ففي اللحظة التي كانت فيها فلسطين حاضرة في الخطاب الرسمي، كانت تُترك فعلياً وحيدة في الميدان لمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية. وهكذا، لم يكن “الحضور الخطابي” في القمة إلا غطاءً لـ “خذلان عملي” فادح ومستمر، تم بثه على الهواء مباشرة من غزة.

غياب الإرادة السياسية
الإشكال لا يكمن في محدودية الأدوات، بل في غياب الإرادة السياسية المشتركة. فالعالم العربي يمتلك رصيداً ضخماً من أوراق القوة: الثروة الطاقوية، الموقع الجيوسياسي، الثقل الديمغرافي. لكن هذه الأوراق لا تُوظف في خدمة فلسطين. والنتيجة أن الخطاب التضامني يبقى تكراراً لأرشيف طويل من البيانات، بينما يُترك الفلسطينيون في مواجهة آلة الاحتلال بلا سند فعلي.
انعكاسات على الوعي الجمعي
هذا التناقض المتكرر بين القول والفعل ولّد أزمة ثقة عميقة بين المواطن العربي ومؤسساته الإقليمية. فكل قمة تُنعقد وسط وعود كبيرة، ثم تنتهي إلى نتائج رمزية لا تتجاوز أثرها الإعلامي. وبذلك تحولت فلسطين من قضية تعبئة جماهيرية إلى رمز لخذلان مؤسسي مزمن، ما يضعف قدرة الخطاب العربي على التأثير في الداخل والخارج معاً.
نحو أفق مختلف
إن استعادة المصداقية تتطلب تجاوز منطق التنديد إلى منطق المبادرة المؤسسية، وذلك عبر:
1/ تبني خطة عمل ملزمة زمنياً لدعم الفلسطينيين سياسياً واقتصادياً.
2/ إعادة النظر في مسار التطبيع غير المشروط مع إسرائيل.
3/ تفعيل أدوات الضغط الاقتصادية والدبلوماسية في المحافل الدولية.
4/ صياغة آلية مساءلة داخلية تضمن متابعة تنفيذ القرارات وتقديم تقارير دورية للرأي العام العربي.
خاتمة تصعيدية
أخيرًا وليس آخرًا، ترى اللجنة الوطنية لمناصرة القضية الفلسطينية بمؤسسة تكتل الحصن المتين أن قمة الدوحة قد أظهرت فعلاً أن الجامعة العربية قادرة على رفع الصوت في لحظات الأزمة، لكنها ما تزال عاجزة عن تحويل الصوت إلى سياسة. وفلسطين، التي شكّلت دوماً معيار صدقية النظام العربي، ما تزال تتعرض لخذلان متجدد، حيث يبقى حضورها مقصوراً على الخطابات، فيما يغيب الفعل الجماعي المؤثر.
إن تجاوز هذه المعضلة ليس ترفاً سياسياً، بل هو واجب تاريخي وأخلاقي، لأن صمود الشعب الفلسطيني وحده لم يعد كافياً أمام آلة حرب مدعومة عالمياً. وعلى الدول العربية أن تختار: إمّا أن تبقى مجرد منصات للخطابة والبيانات، أو تتحول إلى قوة فعل حقيقية توقف التطبيع، وتستثمر أوراق القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية في معركة التحرر.
وفي هذا السياق، تشدد اللجنة على أن الجزائر – بمواقفها الثابتة داخل مجلس الأمن وخارجه – تقدم النموذج الحي على أن فلسطين ليست ورقة دبلوماسية عابرة، بل قضية وجودية تتعلق بمصير الأمة كلها. وإننا نؤمن أنّ ساعة الحساب اقتربت، وأنّ الشعوب لن تغفر للأنظمة التي جعلت من فلسطين شعاراً للاستهلاك بدل أن تجعلها بوصلتها للتحرر والوحدة.





ما شاء الله
تحليل منطقتي وفصيح👏