الجزائر
الفخ الإيراني والنهاية المرجَّحة

بقلم البروفيسور/ محمد خوجة
في ظاهر المشهد تبدو الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى في 28 فيفري الماضي ، كأنها انفجار مفاجئ لمسار طويل من التوترات والاشتباكات غير المباشرة. غير أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث، ولمقدمات الصدام وخطاب الأطراف وسلوكها، تكشف أن ايران لم تدخل هذه الحرب مكرهة ولا مرتجلة، بل كقوة أتمّت إعداد فخ استراتيجي معقّد، ينتقل بالخصم من وهم “الحسم السريع” إلى واقع “الاستنزاف الطويل”.
-كيف صاغت ايران خطة جاهزة بالتفاصيل لمواجهة أمريكا وإسرائيل وإيقاعهما في فخ استراتيجي؟
أوهام النصر السرع منذ حرب أفغانستان والعراق استوعبت إيران أن الولايات المتحدة ومن ورائها إسرائيل، قد بنَتا خطتهما على ضربة “قطع رأس” تقود إلى إنهيار سريع للنظام، بعد إغتيال المرشد علي خامنئي وبداية العلميات العسكرية . لكن إيران تحركت لامتصاص الصدمة عبر إنتقال منظم للقيادة، صعود مجتبى خامنئي ودور أوسع للحرس الثوري، مع إبقاء البنية الأمنية والعقائدية للحرب قائمة، مما أفشل رهان الانهيار المفاجئ للقيادة الإيرانية، وتغير مسار الحرب الى فخ نصب لأمريكا والكيان الصهيوني تتضح معالمه يوما بعد يوم.
جوهر هذا الفخ الذي تضيق حلقاته، أن تُجبِر إيران خصومها على خوض نوع الحرب التي تُحسِنها هي وليس اعدائها: الاستنزاف المتعدد الجبهات، بدل الحرب الخاطفة التي تفضّلها واشنطن وتل أبيب. من الحصار إلى الاستنزاف دفعت سنوات العقوبات والعزل بإيران إلى هندسة اقتصاد مقاوم، وشبكة تسليحية منخفضة الكلفة (صواريخ، مسيّرات، ووكلاء مسلحون) ،مصمَّمة تحديداً لحرب طويلة قليلة الكلفة داخلياً وعالية الكلفة خارجياً.
في هذه الحرب تستخدم إيران أوراقها التي راكمتها تحت الحصار: إستهداف ممرات الطاقة والشحن (هرمز، البحر الأحمر) لرفع أسعار النفط والغاز، وإرباك الأسواق العالمية للضغط على البيت الأبيض وحلفائه. كل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الضغط على اقتصادات الغرب، في حين تعوّدت إيران نسبياً على العيش تحت ضغط اقتصادي مزمن.
استغلال نقاط ضعف أمريكا وإسرائيل نقطة الضعف الأولى أمريكياً هي الحساسية السياسية للرأي العام تجاه الحروب المفتوحة والمكلفة، خاصة بعد أفغانستان والعراق؛ إيران تراهن على أن حرب استنزاف ترفع كلفة الدم والمال ستصطدم عاجلاً أو آجلاً بسقف المجتمع والكونغرس، مهما كانت ثقة ترامب في “حرب قصيرة”. نقطة الضعف الثانية هي هشاشة بنية الأمن الإقليمي حول القواعد الأمريكية وحول إسرائيل؛ إيران لا تنافس بجيش نظامي تقليدي، بل بشبكة “محور المقاومة” (حزب الله، فصائل عراقية، حوثيون، وآخرون) تُستدعى تدريجياً وفق إيقاع الحرب، بما يفتح احتمالات توسع الجبهات من لبنان إلى اليمن والعراق والخليج. أما الضعف الإسرائيلي الأساسي فهو الحساسية القصوى للخسائر في الجبهة الداخلية وصغر الجغرافيا، ما يجعل تعرض المراكز السكانية والصناعية لصواريخ ومسيّرات على مدى طويل أداة ضغط استراتيجي حتى لو احتفظت إسرائيل بتفوق نيراني هائل. منذ سنوات، تصرّف الإيرانيون كما لو أن الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل ليست احتمالاً بعيداً، بل استحقاقاً مؤجلاً يجب الاستعداد له بتفاصيله قبل أن يقع.
لذلك، حين دخلوا مرحلة المفاوضات، لم يكونوا قوة مرتبكة تبحث عن طوق نجاة، بل دولة أنضجت بهدوء خطة حرب مصمَّمة لتحويل أي عدوان واسع إلى فخ استراتيجي لخصومها. في قاعات التفاوض، كان ممثلو طهران يردّدون عبارة تبدو في ظاهرها تطميناً: «لن نسعى إلى الحرب، وإذا فُرضت علينا فنحن مستعدون لها». التقطت واشنطن وتل أبيب الشطر الأول من الجملة وقرأوه باعتباره دليلاً على الخشية والرغبة في تجنب المواجهة بأي ثمن، لكن صانع القرار الإيراني كان يبني رهانه على الشطر الثاني: «نحن مستعدون لها»، باعتباره التعبير الحقيقي عن جوهر الاستراتيجية المعتمدة.
هذا التباين بين الخطاب المعلن والسلوك الفعلي يجسّد ما يمكن تسميته بالتفكير المفارقاتي paradoxal strategy في التخطيط للحرب: أن تظهر كقوة تتفادى الحرب، بينما تعيد في العمق هيكلة قدراتك العسكرية، وشبكة تحالفاتك الإقليمية، واقتصادك الداخلي، على فرضية أن الحرب آتية لا محالة.
بدلاً من محاولة منع الصدام بأي ثمن، قبلت إيران بحتميته، وعملت على نقل نقطة القوة من لحظة تجنّب الحرب، إلى كيفية إدارتها عندما تنفجر. وهكذا، سمحت لخصومها بأن يطمئنّوا إلى صورة قوة متعبة محاصَرة تتوسل التسويات، فازدادوا ثقة بخيار «الضربة الحاسمة» القصيرة، من دون أن يدركوا أنهم يقتربون خطوة بعد أخرى من ميدان صُمِّم مسبقاً ليحوّل أي نصر تكتيكي إلى بداية حرب استنزاف طويلة. أيام قبل اندلاع الحرب، انتشرت التظاهرات الواسعة في الشارع الإيراني ، خاصةً مع شعارات تنتقد الأوضاع الاقتصادية والسياسية ،وكأنها علامة ضعف بنيوي للنظام، ورسالة مغرية لواشنطن وتل أبيب بأن الداخل الإيراني مهيأ للانفجار عند أول صدمة عسكرية. غير أن القيادة في طهران تعاملت مع هذه الموجة بطريقة مغايرة تماماً: بدلاً من اعتبار تفجر الشارع بمعارضي النظام كتهديد خطير، أعادت إدماجها في هندسة الفخ الاستراتيجي.
تركت لخصومها أن يقرؤوا الصور القادمة من المدن الإيرانية، باعتبارها مؤشراً على هشاشة الجبهة الداخلية، وأن يبنوا تقديراتهم على فرضية أن الضربة الخارجية، ستُسرِّع سقوط النظام أو تفكيك قدرته على الحرب، بينما كانت الأجهزة السياسية والأمنية تستخدم هذه المرحلة لاختبار قدرة الدولة على الضبط والسيطرة، وإعادة فرز المجتمع بين كتلة إحتجاجية يمكن إحتواؤها، وكتلة تعبئة يمكن استدعاؤها ساعة المواجهة. بهذا المعنى، تحوّلت التظاهرات إلى ما يشبه “الطُّعم” في مخطط الاستدراج: صورة نظام متعب مضغوط داخلياً، يدفع خصومه إلى اعتقاد أن لحظة توجيه الضربة هي الفرصة الذهبية لإنهائه بأقل كلفة.
ما إن بدأت العمليات العسكرية، حتى إكتشف الطرف الآخر أن الاحتجاجات التي قرأها كعلامة انهيار، لم تمنع تشكّل كتلة تعبئة وطنية أمنية قادرة على تحمّل الصدمة الأولى، وأن بنية الدولة رغم كل التصدعات، ما زالت متماسكة بما يكفي لتفعيل خطة حرب إستنزاف طويلة. عند هذه اللحظة اكتمل مخطط الفخ: نجح الإيرانيون في استغلال الصورة السطحية لشارع محتج كإشارة ضعف، لجرّ أعدائهم إلى قرار الهجوم في توقيت وظروف جيوسياسية، صُمِّمت مسبقاً لتكون هي نفسها بداية سقوطهم في الفخ المميت، لا سقوط النظام المستهدف.
وعندما إنطلقت شرارة المواجهة في 28 فيفري الماضي، لم تتصرّف إيران كطرف فاجأته الحرب، بل كمن يضغط خصومه على زر تشغيل خطة جاهزة. ظهر سريعاً أن إيران لا تكتفي بالصمود الدفاعي، بل تدير تفعيل جبهات متوازية: ضربات بالصواريخ والمسيّرات، تحريك أذرعها الإقليمية، استخدام الجغرافيا البحرية والطاقوية، واستثمار كل ثغرة في البنية الأمنية والاقتصادية لأمريكا وإسرائيل.
هنا اكتملت المفارقة: ترامب يتحدث بثقة عن «حرب قصيرة وحسم سريع»، فيما كانت إيران قد ضمنت أن كل يوم إضافي في العمليات، ينقل الصراع أكثر نحو النمط الذي تفضّله في شكل حرب استنزاف متعددة الجبهات ، ويزيد ابتعاداً عن النمط الذي راهن عليه أعداؤها. بهذه الاستراتيجية المفارقاتية، تحولت سنوات التفاوض الهادئ إلى مرحلة إعداد غير معلنة لفخ استراتيجي محكم، لم يبدأ عندما قررت واشنطن وتل أبيب الحرب، بل عندما ظنتا أن طهران غير مستعدة لها. الاصطفاف مع الصين وروسيا تدرك إيران أنها لا تخوض الحرب الحالية في فراغ، بل في سياق نظام دولي يتجه إلى تعددية قطبية، حيث تحتاج موسكو وبكين إلى كل ورقة تُضعف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. لذلك يُترجم الاصطفاف مع روسيا والصين ليس في شكل تدخل مباشر، بل في: حماية سياسية في مجلس الأمن، دعم اقتصادي ومالي جزئي لتجاوز العقوبات، وتنسيق نفطي طاقوي يزيد أثر اضطراب الإمدادات على الغرب. بهذا الشكل يتوسع الفخ الإيراني يوميا نحو مزيد من التعقيد الجيوسياسي، حيث تتحول كلفة الحرب الإقليمية التي تخوضها ،على فوائد تراكمية تخدم منافسيها الكبار في النظام الدولي: الصين و روسيا.
حساب الظرف السياسي ونمط النهاية دخلت إيران الحرب وهي تتوقع حتمية الاصطدام مع أمريكا وإسرائيل معاً، لكنها تريد أن تنتهي المواجهة لا إلى “سقوط النظام” بل إلى صيغة وقف نار/تسوية ،تُكرِّس إعترافاً عملياً بقدرتها على الإيلام، وتمنحها وضعية قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. نهاية الحرب – إذا استمر المنطق الحالي للفخ – ستكون أقرب إلى: وقف إطلاق نار بعد مرحلة استنزاف طويلة، بقاء النظام الإيراني (ولو بترتيبات قيادية جديدة)، مقابل إسرائيل وأمريكا مثقلتين بتكلفة بشرية واقتصادية وسياسية، في حين تكون إيران قد حوّلت الضربة الافتتاحية الكبرى إلى “حرب ألف جرح” أنهكت خصومها أكثر مما أسقطتها. الفارق بين خطاب ترامب عن “حسم سريع” وسلوك إيران على الأرض هو بالضبط قلب المفارقة التالية: الأمريكيون يملكون الساعة، لكن الإيرانيين يراهنون على الوقت. النهاية المرجَّحة لهذه الحرب إذا ظلّت الاتجاهات الحالية ، هي مزيج من نصر تكتيكي أمريكي إسرائيلي قصير الأمد على مستوى الضربات، مقابل مكاسب إستراتيجية إيرانية عبر حرب استنزاف طويلة، تُضعِف شرعية واشنطن وتُربِك إسرائيل إقليمياً ودولياً.
-دروس التاريخ العسكري
تعلّمنا دروس التاريخ العسكري أن إمتلاك الجيوش لأضخم ترسانة من السلاح، أو أوسع حشد للقوة النارية، لا يكفي وحده لصناعة النصر، وأن الحروب كثيراً ما تُحسَم بعوامل أقل ظهوراً وأكثر عمقاً: الروح المعنوية، دقة التخطيط، القدرة على المفاجأة، والقدرة على المناورة بطرق لا يتوقعها العدو.
بهذا المعنى، تبدو التجربة الإيرانية في هذه الحرب امتداداً لميراث طويل من الحروب غير المتكافئة، حيث راكمت طهران خبرة في كيفية تحويل محدودية الإمكانات إلى ميزة، وكيفية تعويض فجوة التسليح ،بمزيج من الصبر الاستراتيجي والمرونة العملانية وتوظيف الجغرافيا و الوقت.
في المقابل، ظهر أن خصومها ، رغم تفوقهم الساحق في العتاد والتكنولوجيا ،بقوا أسرى لثقافة “الحسم السريع” والضربة الخاطفة، فاندفعوا إلى معركة ظنّوها قصيرة وحاسمة، من دون أن يدركوا أنهم يعيدون إنتاج أخطاء قوى كبرى في التاريخ المعاصر، استهانت بقدرة خصم أضعف على الصمود والمباغتة.
هنا تتبدى المفارقة: إيران التي استثمرت في قراءة تاريخها العسكري وتجارب غيرها، دخلت الحرب وهي تفكر في كيفية إدارة الزمن والمفاجأة والمناورة والجغرافيا، بينما انجرّ أعداؤها بثقة زائدة في القوة المادية، إلى قلب فخ مميت لم يروه إلا بعد أن أُغلقت أبوابه عليهم.




