الشّاعر عبد المالك سعيدي لـ “24 ساعة”: كنتُ أرغبُ أن أقدّم نصوصًا تُغنّى خدمة للموسيقى

حوار/ نورالدين مبخوتي (تلمسان)
يُعتبر الشاعر، عبد المالك سعيدي، أحد الأصوات الشّعرية الجزائرية التي تُبدع في صمت، بعيدا عن ضجيج الإعلام، وصخب الملتقيات. وُلد الشّاعر عام 1970 بإحدى ضواحي برج بوعريريج، ودرس بجامعة قسنطينة. صدر له ديوان “سفر إلى مملكة المستحيل”، ضمن منشورات رابطة أهل القلم بدعم من وزارة الثقافة 2008. يقع الديوان في حدود 113 ص، ويتضمّن 23 قصيدة مُوزّعة بين العمودي، وشعر التفعيلة. في هذا الحوار، سوف نسلّط الضوء على بعض الإشكاليات والقضايا التي يطرحُها هذا الديوان.
الكثير من شعراء الحداثة من قبيل بوشكين، وإليوت، ومايكوفوسكي، وأدونيس، يذهبون إلى أنّ الحداثة تنطلق من التراث الشعري، فهو رافد أساسي في تشكيل الوعي الشعري، ولا أحد يشكُّ في هذا الطرح لكنّ المأزق الحقيقي هو أنّ التعاطي مع التراث، والاشتغال عليه شعريًّا، يخلقُ لنا حالات شعريّة متشابهة، وإذا أخذنا الحالة الجزائرية، مثلا، يمكن أن نُمثّل لها بشعراء وادي سوف، وشعراء الجلفة، حيث يشعر المتلقّي أنّه أمام نصّ واحد مشترك تتقارب فيه الأجواء والجماليّات. كيف تعامل الشّاعر عبد المالك سعيدي مع التراث حتى لا يقع في مثل هذا المطبّ؟
منذ أن فتح الشاعر عبد المالك سعيدي عينيه على دنيا الأدب شهد شعر الأجداد حين لم يكن يعرف ما الحداثة ولا ما بعدها إلا تلك الروح الجميلة التي وجدها في هذا الشعر المنظم القائم على التوازي بين صدور وأعجاز، فوجد فيه مُتعة النظر قبل مُتعة لذّة الشّعر فتعلّق به قارئًا، وحافظا، ومساجلا، وحين وعى أنّ هذا الذي يرتبط به هذا الارتباط الوثيق ويُحبُّه هذا الحبّ الجمّ هو تراثه الذي كان ذاته الأدبيّة، ومنحه تلك اللُّغة الجميلة التي صارت معشوقته الأولى التي لا ثانية لها. وإذا كان هذا الارتباط يوقع صاحبه في النمطيّة، على غرار ما ذكرت، فينتج شعرا متناسخا، فذلك قصورٌ من الشّاعر الذي لا يريد أن يتجاوز نفسه؛ فالتراث ركيزتك التي تستند عليها ولكن ليس لأن ينسخ ثانية في أشعار الشُّعراء في العصور الحديثة. ثم إنّ هذا التراث، خصوصا التراث الشّعري، ليس مدرسة واحدة بل هو مدارس إذا استطاع الشّاعر هضمها وتجاوزها، فإنّه يكوّن لنفسه مدرسة خاصّة به والشُّعراء الجيّدون في الوطن العربي منهم من تمسّك بالشّكل القديم ولم يجد في شعره إلا المتعة الخارقة، كالجواهري مثلا، ومنهم المجدّدون الروّاد؛ روّاد الحداثة الشّعرية العربيّة، كالسيّاب، والبياتي، ونزار قباني، كان لكلّ واحد منهم مدرسة خاصّة لا تُشبه مدرسة الآخر، وجاؤوا جميعا بالعجب العجاب. والشّاعر عبد المالك سعيدي ينفتح على هذه التجارب ولا يرتبط بأيّ منها، وإن كان لا يحيدُ عن خصوصيّات الشّعر العربي، والأمر الآخر يتعلّق باللُّغة في حدّ ذاتها؛ فهي بحر المحيط، والتميُّز عن الغير لا يكون إلا بها، وبتشكيلاتها الفنيّة والتصويرية والموسيقية، وممّا نلاحظه تقاربُ لغة الشُّعراء المعاصرين في وطني، ولعلّه ما يوحي بنمطيّة قصائد هؤلاء.. وأزعم أنّي أتجاوز هذه النمطيّة وهذا المعجم اللُّغوي الشّعري المكرّر من الشُّعراء من باب التجاوز والتميُّز.

استنادا على العتبات النصيّة، خاصّة العناوين، وكذلك أجواء النُّصوص، يلاحظ المُتلقّي أنّ السّفر والرّحلة يُشكّلان محورًا رئيسًا في الديوان. إنّ هذه التيمة الشّعرية لها تجلياتها في الشّعرية العربيّة القديمة، خاصّة في الشعر الجاهلي، وفي شعر المتصوّفة. لماذا يكثر الحديث عن السفر والرحلة بكثافة في هذا الديوان؟
هي نظرة منك ثاقبة أخي نور الدين، فالرّحلة والسّفر في ديواني تستوقفان كلّ من وضع يده على الديوان بدءا بالعنوان “سفر إلى مملكة المستحيل”؛ فمملكة المستحيل هي أمل الشّاعر المنشود في الوصول إليها، وكلُّ قصيدة من قصائد الديوان هي رحلة نحوها، وإدراك المستحيل مستحيل، ولكنّ الشّاعر إذا آمن بهذا الطرح بقي مكانه، ولم يتحرّك وسجن نفسه، وفقد حريته التي يُحلّق بها في أجواء الشّعر، وصولا إلى هذا المستحيل الممكن وهذه هي الحقيقة. رحلتي هي رحلة السّندباد التي ما تفتأ تنتهي رحلة له إلا وبدأ أخرى، وكذلك كان تصوُّري فأنا السّندباد الذي لم يفصح عن نفسه في ديوانه ولكنّك يا نور الدين كشفت سرّه.
نصوصٌ كثيرة في هذا الديوان يُمكن أن ندرجها ضمن ما اصطلح عليه نقديًّا بـ “القصيدة – الأغنية”؛ فهي تملك الكثير من المواصفات الجماليّة لكي تُصبح أغنية كبساطة اللُّغة، والاحتفال بالأنوثة، وسحر الإيقاع، وشفافية اللُّغة وغنائيتها. ما علاقة خطاباتك الشّعرية بالموسيقى، خاصّة أنّك استحضرت اسم “زرياب”، ومُعجمًا شعريًّا ينتمي لحقل الموسيقى؟
إنّ علاقة خطاباتي الشّعرية بالموسيقى له علاقة متينة بالموسيقى؛ فأنا كما أحببتُ الشّعر العربي وهمتُ به، كذلك كنتُ عاشقًا للموسيقى، خصوصًا الموسيقى العربيّة، فلا غرابة إذا اجتمع الفنانُ والشّاعرُ معًا في شعري، ولعلّ ميلي إلى الموسيقى كان قبل ميلي إلى الشّعر، وكان من الممكن جدًّا لو عاد التاريخ أدراجه أن أكون مغنيًّا أو موسيقيًّا، ولأنّ هذا الطريق ومسلكه في أسرة محافظة، ومجتمع أكثر محافظة، لكنتُ كما قلتُ لك، ثمّ إنّ العلاقة بين الشّعر والموسيقى لا حاجز بينهما. كما أرى أنّي كنتُ أرغبُ أن أقدّم نصوصًا تُغنّى خدمة للموسيقى، ورفعًا لمستوى الكلمة التي تُغنّى في وطني؛ إنّه مشروعٌ بديل، لكنّي لن أثبت في طريقه حتّى أُحقّقه، وربما هو أحد خيباتي الأدبية. لك جزيل الشُّكر صديقي أن فتحت صدرك لتجربتي الشعرية من خلال ديواني “سفر إلى مملكة المستحيل”، وأنّك كنت الأول الذي اهتمّ به، وأراد أن يُخرجه للناس من ركام السّنوات وغبارها، من خلال الإعلام، رغم أنّ هذا الديوان صدر سنة 2009، فشكرا على الاهتمام، وعلى قراءتك الثاقبة من خلال أسئلتك التي طرحتها، وشكرا للمنبر الإعلامي الذي جمع بين سائل ومجيب؛ سائل من أقصى غرب الوطن، ومجيب من شرقه، فلكم الشُّكر العميم، وخالص تحياتي وتقديري.




