الشاعر الأردني حسين جلعاد: ثمة فظائع تجعل الاستعارة محرجة

حاوره/ معتصم الشاعر*
كغيره من الشعراء والفنانين حول العالم، لم يستطع الصمت على ما يحدث في غزة من جرائم تهز الضمير والوجدان وتدعو إلى فعل إيجابي يوقف مجرى المأساة، فقد خرج إلينا الشاعر والكاتب الأردني حسين جلعاد بديوانه ” ورود يوم القيامة” ليقدم لنا- وللأجيال القادمة- شهادته الفنية ونظرته الإنسانية، في قصائد تغوص في تفاصيل لا تراها الكاميرا، لكن تراها عين الشاعر الباحث عن إنسانية الإنسان في عالم مفتون بالإحصائيات وأعداد القتلى، التقينا جلعاد لنتحدث عن ما يحدث وعن الشعر وعن “ورود يوم القيامة”، فكان هذا الحوار:
في ديوانك الجديد “ورود يوم القيامة” هنالك اهتمام كبير بالعتبات النصية، تأخذ القارئ من العنوان الرئيس الذي يحمل مفردة ” ورود” إلى العناوين الفرعية التي تحمل اسم الباقة الأولى والثانية إلى الرابعة، هنالك مسار دلالي جدير بالملاحظة، فالباقة الأولى ” على حافة النفق”، تدلنا على أن ما يحدث ليس سوى بوابة للعبور، وقد نفقد في الطريق بعض الأحبة لكننا لن ننساهم، سيبقون كالمنارات في شواطئ الذاكرة، وسنضع باقة ثانية على ” خزائن الثياب” التي تذكرنا بهم، لتكون نضالات هذا الشعب حاضرة في كل استعارة عن العزة والكرامة والإباء والتضحية، فهو يستحق أن يكون ” شعب في الاستعارة”، دفع ثمنا باهظا لترتقي تجربته من واقع مأساوي إلى رمز كوني، مثل ” قصيدة لا تنتهي” يعيد بناءها جيل بعد جيل مثلما يحدث في الملاحم، ما هي الرسالة الخفية وراء هذا التحول السيميائي للعناوين من المادي إلى الرمزي؟
أحب هذه القراءة للعناوين، لأنها تلتقط حركة حاولت أن أجعلها تسري في بنية الديوان كلها. العناوين لم تكن علامات تقسيم محايدة، فقد أردتها جزءًا من التجربة الشعرية نفسها، وأن تنقل القارئ تدريجيًا من الجغرافيا المحاصرة إلى فضاء أوسع، من المكان الذي يحدث فيه الموت إلى الذاكرة التي تقاوم زوال أصحابه، ثم إلى الرمز الذي يمنح التجربة قدرتها على العبور خارج زمنها.
تبدأ الرحلة بـ«على حافة النفق»، والنفق هنا يحمل أكثر من معنى، إنه مكان واقعي شديد الحضور في حرب غزة، وهو في الوقت نفسه صورة للعبور والانتظار والاحتمال، الحافة منطقة قلقة؛ أنت لم تدخل تمامًا ولم تخرج، تقف بين الضوء والعتمة، بين النجاة والموت، وهذا قريب من الحياة التي عاشها الناس هناك، حيث يمكن للحظة عادية جدًا أن تكون آخر لحظة في حياة كاملة.

ثم تأتي «خزائن الثياب»، وهي من أكثر الصور التي تؤلمني في الديوان. بعد الموت تبقى أشياء الموتى: قميص، فستان، حذاء، رائحة عالقة في ثوب، خزانة لن يفتحها صاحبها مرة أخرى. الموت حدث هائل، لكننا ندرك معناه الحقيقي أحيانًا من خلال أصغر الأشياء التي يتركها الموتى وراءهم. الخزانة تتحول إلى مستودع للغياب، والثياب تصبح أجسادًا فارغة تحتفظ بشكل أصحابها ورائحتهم وشيء من حياتهم. هنا تبدأ حركة الديوان من الحدث إلى الذاكرة.
ومع «شعب في الاستعارة» تتسع الدائرة، الفلسطيني عاش طويلًا داخل لغة العالم بقدر ما عاش على أرضه، أصبح اللاجئ والمفتاح والخيمة والزيتونة والبرتقال والبحر والجدار مفردات تتجاوز معناها المباشر وتحمل تاريخًا كاملًا. حتى حياته اليومية أصبحت قابلة للتحول إلى رمز، وهذا أمر جميل ومؤلم في الوقت نفسه، لأن كثافة الرمز تكشف كثافة التجربة التي أنتجته، شعب اضطر إلى حمل وطنه في اللغة حين ضاقت به الجغرافيا.
ثم نصل إلى «قصيدة لا تنتهي». هنا كنت أفكر في الحكاية الفلسطينية نفسها، في هذا النص المفتوح الذي يكتبه جيل ويسلمه إلى جيل آخر. ثمة شيء يكاد يكون ملحميًا في استمرار الحكاية، وفي عودة عناصرها بأشكال جديدة: النزوح، البيت، الطريق، الأم، الطفل، المفتاح، البحر، انتظار العودة. تتغير الأزمنة وتظل الجملة الفلسطينية مفتوحة، كأنها تبحث منذ عقود عن النقطة التي تستطيع أن تنتهي عندها.
لهذا أرى أن الحركة من المادي إلى الرمزي كانت في جوهرها حركة من الموت إلى مقاومة المحو. يبدأ الديوان بأجساد وأمكنة وأشياء مهددة بالفناء، ثم تحاول اللغة أن تنقذ منها ما تستطيع، فالإنسان يموت، والثوب يبقى مدة أطول، والذاكرة أطول من الثوب، والاستعارة قد تعيش بعد أصحابها، والقصيدة تستطيع أن تعبر إلى أجيال لم تشهد الحادثة أصلًا.
وربما لهذا اخترت «الباقات» لتقسيم الديوان. الورود نفسها كائنات قصيرة العمر، لكنها تحمل منذ آلاف السنين معاني الحب والجمال والفقد والحداد. وفي «ورود يوم القيامة» تلتقي هذه المتناقضات كلها، الجمال والموت، الهشاشة والبقاء، الفناء والذاكرة، كأن القصائد ورود نضعها أمام الذين غابوا، ثم نكتشف أن الورد الذي نقطفه للموتى يقول شيئًا عنا نحن الأحياء أيضا: إننا ما زلنا نتذكر.
لفت انتباهي أيضا البناء الدائري لترتيب قصائد الديوان، كل نقطة توصل إلى أخرى، ابتدأت بقصيدة عن يحي السنوار، واختتمت الديوان بذكره أيضا، ” من هنا مر السنوار، العصا لم تسقط، تنمو الآن في الغيم، وردة للغضب الجميل”، هل قصدت بأن تجعله بطلا لملحمتك؟
الشعر ليس تزكية سياسية لشخص أو تنظيم، المهم في المخيال الأدبي هو أن شخصية واقعية تحولت لحظة موتها إلى صورة كثيفة في المخيلة الجمعية.
البناء الدائري في الديوان مقصود، لأنني أردت للنهاية أن تعيد القارئ إلى البداية، ولكن بعين أخرى. نحن لا نعود في نهاية الرحلة إلى النقطة نفسها تماما؛ ولكن نعود إليها محمّلين بكل الذين مررنا بهم في القصائد، بالأطفال والأمهات والبيوت والنازحين والموتى. ولهذا تعود صورة السنوار في النهاية وقد تغير معناها داخل النص، ما استوقفني شعريا في مشهده الأخير كان العصا، صورة رجل جريح ومحاصر، يعرف على الأرجح أن نهايته أصبحت قريبة، ثم يرفع عصا ويلقيها باتجاه الطائرة التي تصوره. بصرف النظر عن المواقف السياسية والتاريخية المتباينة تجاه الرجل، فإن هذه اللحظة تمتلك كثافة رمزية يصعب على الشاعر ألا يراها، العصا أقدم أدوات الإنسان وأبسطها، والطائرة المسيّرة واحدة من أكثر أدوات الحرب الحديثة تطورا. وبينهما، في تلك الثواني، ظهرت فجأة المسافة الهائلة بين الجسد والآلة، وبين الإرادة البشرية والتفوق التكنولوجي.
العصا في ذاكرتنا الجمعية تعيدنا إلى قصة النبي سليمان، حيث كانت دليلا رمزيا على حياته، حتى بعد أن مات في الحقيقة، ما الدلالة الرمزية لعصا السنوار في قصيدتك؟
عبارة «العصا لم تسقط»، أتعامل معها داخل القصيدة بوصفها صورة شعرية قبل أي شيء آخر. الإنسان يسقط، والعصا تواصل رحلتها في المخيلة. وحين أقول إنها «تنمو الآن في الغيم، وردة للغضب الجميل»، فإن الواقعة تكون قد غادرت ماديتها ودخلت فضاء الرمز، مثلما حدث لكثير من الصور في تاريخ الشعوب.
نعود إلى البناء الدائري، هل تود أن تلفت انتباهنا إلى الدورات الحضارية التي مرت بها الأمة، من احتلال ومقاومة ثم تحرير قاده رجال كالسنوار؟، وما هي الصفات المشتركة بين هؤلاء القادة؟
فكرة الدورات الحضارية، أنا أميل إلى رؤيتها في سياق أوسع من سيرة قائد بعينه. تاريخ هذه المنطقة مليء بالغزاة والمقاومات والهزائم والانتصارات، ومليء كذلك بالأوهام والأخطاء والأثمان الفادحة. المدهش أن إرادة البشر في التحرر تعود كلما اعتقدت قوة ما أنها استطاعت إخمادها نهائيًا. تتغير الإمبراطوريات والأسلحة والأسماء، وتظل لدى الإنسان رغبة عميقة في رفض الإخضاع والدفاع عن أرضه ووجوده وكرامته، والشخصيات التي تبقى في ذاكرة الشعوب تشترك غالبا في قدرتها على تكثيف لحظة تاريخية في صورة أو موقف. الذاكرة الجمعية لا تحتفظ بالسير كاملة؛ وإنما تنتقي مشهدا، أو كلمة، أو وقفة، وربما عصا مرفوعة في اللحظة الأخيرة. وبعد ذلك يبدأ عمل التاريخ والأسطورة والفن معا، وتصبح الشخصية أكبر من تفاصيل حياتها وأكثر تعقيدا أيضا.
إذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن كل أهل غزة أبطالا في نظرك، وبهذا يكون ديوانك ملحمة بطلها الجميع، أليس كذلك؟
لا أرى «ورود يوم القيامة» كتابا في صناعة الأبطال، ولا أريد للقصيدة أن تمنح صكوك البراءة أو الإدانة لأحد. هذه وظيفة أخرى لها أدواتها وأسئلتها. ما يعنيني كشاعر هو تلك اللحظة التي تتحول فيها الواقعة إلى علامة، والعابر إلى ذاكرة، والشيء الصغير إلى استعارة قادرة على البقاء. يعنيني الأثر لا صاحبه. حين تنتهي القصيدة، يبقى في يد القارئ صورة وغضب، لا سيرة رجل ولا حكم عليه. الصورة وحدها تعبر إلى الذاكرة، والرجل يبقى للتاريخ وخصوماته.
أنا كنت أكتب غزة والإبادة، وربما لهذا بدأت بالسنوار وعدت إلى “يحيى” في النهاية، من حيث أنه صنع اللحظة، فبين الظهورين تقع غزة كلها في الديوان. وعندما نصل إلى العبارة الأخيرة تكون العصا قد خرجت من يد صاحبها ودخلت القصيدة. هناك تنتهي الدائرة، أو تبدأ من جديد.
كان الغرب يتصور- أو ربما ما زال- أن ما ارتكبته النازية هو النموذج الأكثر بشاعة لما يمكن أن يصله الشر الآدمي، فبعد ما حدث في أوشفيتز-بيركيناو، قال ثيودور أدورنو:” كتابة الشعر بعد أوشفيتز عمل بربري”، لاحقا قام بتعديل هذه العبارة المتطرفة التي تحمل بين حروفها لاعقلانية الصدمة، فهل شعرت بتأنيب الضمير وأنت تكتب عن غزة؟
نعم، شعرت بتأنيب الضمير، وربما كان هذا الشعور يرافقني منذ القصيدة الأولى، كنت أجلس في مكان آمن وأكتب عن إنسان يبحث عن الماء، أو أم تحمل طفلها الميت، أو عائلة تنتظر مصيرها تحت القصف. وكان السؤال يطاردني: ماذا تفعل أنت الآن؟ تكتب قصيدة؟ ماذا ستغير هذه القصيدة في حياة إنسان جائع أو مذعور أو محاصر؟، هذا سؤال مؤلم، ولا أملك له إجابة مريحة.
لا شك أنك تمنيت لو تستطيع أن تفعل ما هو أكبر من الشعر؟
تمنيت بالتأكيد لو أستطيع أن أفعل أكثر، أظن أن كل إنسان احتفظ بحساسيته الأخلاقية أمام ما يحدث في غزة شعر بشيء من العجز، وربما بشيء من الخجل أيضا. هناك مسافة فادحة بين أن تتألم من أجل الضحية وأن تكون أنت الضحية، بين أن تشاهد البيت وهو يُقصف وأن تكون تحت سقفه في اللحظة الأخيرة.
بإسقاط عبارة أدورنو على الواقع الذي بين أيدينا، بماذا سترد لو أن أحدهم قال لك:” كتابة الشعر بعد غزة عمل بربري”؟
عبارة أدورنو تضعنا أمام سؤال آخر شديد العمق وهو: ماذا يحدث للفن عندما يبلغ الشر حدا يجعل اللغة نفسها موضع شبهة؟، أفهم صدمة أدورنو أمام أوشفيتز، ثمة فظائع تجعل الاستعارة محرجة، وتجعل الجمال نفسه مثيرا للريبة. كيف تستطيع أن تصنع جملة جميلة من جسد ممزق؟، وكيف يمكن أن تحول عذاب إنسان إلى مادة فنية ثم تشعر بالرضا عن جمال ما كتبت؟، هذه المسألة أرّقتني كثيرا في «ورود يوم القيامة»، كنت أخشى أن أجمّل الألم من حيث لا أدري، أو أن تصبح المأساة مناسبة لاستعراض القدرة الشعرية. ولهذا حاولت أن أبقي القصيدة قريبة من هشاشة الإنسان، وأن أقاوم إغراء البلاغة حين تصبح البلاغة ستارا بيننا وبين الجرح، ولو قيل لي إن “كتابة الشعر بعد غزة عمل بربري”، فسأقول إن الصمت أمام غزة قد يكون أشد بربرية، فالمشكلة في نظري لا تكمن في أن نكتب بعد الكارثة، وإنما في الكيفية التي نكتب بها، وفي الموقع الأخلاقي الذي تصدر عنه الكتابة، تستطيع القصيدة أن تخون الضحية حين تستخدم موتها، وتستطيع أن تحفظ شيئا منها حين تمنحها اسما وذاكرة وصوتا. وأيضا يمكن أن تتحول اللغة إلى زينة فوق المقبرة، أو أن تكون شاهدًا يقف إلى جوارها.
لقد عاد أدورنو نفسه لاحقا إلى عبارته تحت ضغط سؤال المعاناة، وأدرك أن الألم المستمر يملك حقه في التعبير. وهذا المعنى قريب جدا مما أشعر به، فالذين تعرضوا للموت لم يتركوا الشعر؛ كتبوا وغنوا ورووا الحكايات تحت القصف وفي الخيام وبين الأنقاض. ومن الصعب أخلاقيا أن نطلب من الإنسان الصمت لأن ما أصابه أكبر من اللغة، ربما يكون الكلام في لحظة كهذه إحدى العلامات الأخيرة على بقائه إنسانًا.
لهذا لم أكتب “ورود يوم القيامة” لأنني كنت أعتقد أن الشعر قادر على موازنة الفظاعة، أعرف تماما أن قصيدة واحدة لا تنقذ طفلا، لقد كتبت لأنني لم أستطع أن أتصرف كأن شيئا لم يحدث، ولأن الصمت كان سيجعلني أشعر بتواطؤ أشد من ذلك الذي شعرت به وأنا أكتب. وإذا كان في الكتابة بعد غزة شيء من البربرية، فالبربرية الحقيقية أن يأتي يوم تصبح فيه كل هذه الصور عادية، وأن نتمكن من رؤية طفل تحت الركام ثم نقلب الصفحة ونمضي، الشعر، في أفضل حالاته، يحاول أن يمنع هذه اللحظة أن يبقي الجرح مفتوحا في الذاكرة، وأن يحرس فينا ذلك الجزء الذي ما زال قادرا على أن يرتجف أمام ألم إنسان آخر.
______________________
*كاتب وروائي سوداني




