كتابات

الحيُّ القديم

وصلتُ إلى رَحِم الذكريات المتهالك، إلى حيّ جدتي. هنا، البساطةُ شعبيةٌ، قديمةٌ، تتجلى في مبانٍ مُتآكلةٍ، مُتعانقةٍ، حفر الزمنُ على جدرانها تجاعيدَ السنين. الضجيجُ سمفونيةٌ لا تنقطع. طنينُ الحياةِ الأبديّ. صراخُ أطفالٍ يُلاحقون خيوطَ الشمس، أزيزُ أبواقِ سياراتٍ تتزاحمُ في شرايينِ الشوارعِ الضيقة، نداءاتُ بائعي الخضارِ تتشابكُ مع صوتِ مُنادي عربةِ الآيس كريم. يا لهُ من حرٍّ لاهبٍ! تمنيتُ قطعةَ آيس كريم، برودةٌ تذيبُ لظى الجوّ في حلقي. لكنّ البائعَ… هيئتُه المُتّسخةُ، ملابسُهُ المُتعبةُ، وعربةُ الآيس كريم الصدئةُ، ألقتْ ظلالَ القرفِ على رغبتي. عدلتُ عن الفكرة، فالنقاءُ أثمنُ من أيّ انتعاشٍ زائف. كثيراً ما ناجيتُ جدتي، توسّلتُ إليها أن تَهجُرَ هذه الزاويةَ المنسيةَ وتأتي لتعيشَ معنا، بعيداً عن وَحدتها في هذا البيتِ المتواضع. لكنّها كانت دائماً تُقابلُ رغبتي بعنادِ العارفِ. “لقد عشتُ حياتي كلّها هنا، لي ذكرياتٌ مغروسةٌ في كلّ حجر، ولن أتخلى عن بيتي هذا”، تقولُها بثقةِ من وجدَ ضالّته. جدتي، يا لكِ من عنيدةٍ، مُتغلغلةٌ في عزلتها المُحببة! صعدتُ سلالمَ الطابقِ الثالثِ المُنهكة، وطرقتُ بابَها. لا ردّ. طرقتُ مرةً أخرى، بقوّةٍ أعلى، لم تُجبْ. خفقَ قلبي بعنفٍ، رعبٌ باردٌ تسلل إلى عظامي. استدعيتُ الجارَ، تآمرنا على البابِ المُغلَق. حاولَ وكرّرَ، حتى استسلمَ البابُ أخيراً، وانكسرَتْ عتبةُ الصمت. اندفعتُ إلى الداخل. وجدتها مُلقاةً على الأرض، جسدٌ ساكنٌ. تلمّستُ يدَها، بحثاً عن نبضٍ، عن همسةِ حياةٍ. لا نبض. لا نَفَس. ماتتْ جدتي. سكونٌ أبديٌّ خيّمَ أخيراً على ضجيجِ الحيِّ القديم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى