سياسة
الحرب تتّسع: إيران ترسم نظامًا أمنيًا جديدًا ومحور المقاومة يدخل مرحلة الاشتباك المفتوح

طهران: خاص
مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يبدو أن الحرب الجارية تجاوزت مرحلة الضربات المحدودة أو الرسائل العسكرية المتبادلة، لتدخل في طورٍ أكثر تعقيدًا يرتبط بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط. فالمعطيات السياسية والعسكرية التي تتسرب من طهران، إضافة إلى خطاب المرشد الإيراني الجديد، تشير إلى أن القيادة الإيرانية لا تتعامل مع المواجهة بوصفها أزمة عابرة يمكن احتواؤها بسرعة، بل باعتبارها محطة مفصلية في صراع طويل قد يعيد رسم النظام الأمني في المنطقة. قراءة إيرانية مختلفة لمسار الحرب تُظهر التقييمات الاستراتيجية داخل إيران قدرًا كبيرًا من الشك تجاه ما يتم تداوله في وسائل الإعلام الغربية عامة والأمريكية خاصة، حول رغبة إدارة ترامب في إنهاء الحرب بسرعة، فبالنسبة لصنّاع القرار في طهران، لا يمكن اعتبار هذه الإشارات سوى جزء من حرب نفسية أو محاولة لإدارة الرأي العام، لا تستطيع إيران وقف الحرب في وضع يمكّن أمريكا والكيان الصهيوني من استئنافها مجددًا في وقت قصير في المستقبل.
ومع مزاج الرئيس ترامب المتناقض في تصريحاته يوميا، خاصة في ظل غياب أي إنجاز عسكري واضح يمكن أن تقدمه الإدارة الأمريكية كدليل على نجاح تدخلها.
وترى القيادة الإيرانية أن استمرار العمليات العسكرية مرتبط بعاملين رئيسيين، الأول هو حاجة الولايات المتحدة إلى تحقيق مكسب سياسي أو عسكري يبرر التصعيد، خصوصًا في ظل السقف المرتفع الذي وضعه الرئيس ترامب لعمليته في ايران بإسقاط النظام، ثم القضاء على القدرات العسكرية ومنها الصواريخ الباليستية، ثم رهانه على تغيير موازين القوة في المنطقة. أما العامل الثاني فيتعلق بإرادة إيران في استثمار المواجهة الحالية لفرض معادلة أمنية جديدة، تقوم على ردع مزدوج للولايات المتحدة وإسرائيل، ومنع تكرار سيناريوهات الضربات المحدودة التي كانت تقع ثم تُطوى صفحاتها دون تغيير جذري في قواعد الاشتباك.
كلفة سياسية مرتفعة لوقف الحرب في الداخل الإيراني
ارتفعت الكلفة السياسية لأي قرار بإنهاء الحرب بشكل ملحوظ، خاصة بعد اغتيال قائد الثورة، وهو الحدث الذي أضفى على المواجهة بعدًا دينيًا ورمزيًا يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، ففي الخطاب الأول للمرشد الإيراني الجديد، كان واضحًا أن المواجهة لم تعد تُقدَّم للرأي العام الإيراني باعتبارها مجرد صراع جيوسياسي، بل معركة دفاع عن الكرامة والسيادة ودماء القادة الذين سقطوا. هذا البعد الرمزي يجعل أي تسوية سريعة تبدو وكأنها تراجع أو قبول بالأمر الواقع، وهو ما قد يخلق ضغطًا داخليًا على القيادة الإيرانية، ويضعف قدرتها على الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية. محور المقاومة بين الانخراط التدريجي والتوسع المحتمل في موازاة ذلك، يتجه ما يُعرف بمحور المقاومة إلى توسيع مشاركته في المواجهة.
فقد بدأ حزب الله بالفعل في بدء عمليات عسكرية منسقة بين إيران وحزب الله، شملت إطلاق رشقات صاروخية باتجاه أهداف إسرائيلية ما يفتح جبهة ضغط إضافية على إسرائيل ويعقد الحسابات العسكرية في المنطقة. لكن التطور الأكثر حساسية قد يكون احتمال دخول الحوثيين في اليمن إلى ساحة المواجهة بصورة أوسع، وهو ما لوح به عديد القادة العسكريين في تصريحاتهم، وسبق لزعيم الحوثين أن صرح ان إصبعهم على الزناد، وجدد زعيم جماعة “أنصار الله” عبد الملك الحوثي، في تصريحاته بتاريخ 12 مارس 2026، على الاستعداد الكامل للمواجهة والوقوف إلى جانب إيران في ظل التوترات المتصاعدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
فالتجربة السابقة أظهرت قدرة هذه الجماعة على التأثير في خطوط الملاحة البحرية وفي العمق الإسرائيلي عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما قد يحول الحرب إلى صراع متعدد الجبهات يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط. صعوبة وقف القتال ميدانيًا حتى لو توفرت إرادة سياسية لوقف الحرب، فإن المعطيات العملياتية تشير إلى أن تنفيذ ذلك سيكون معقدًا.
فالقوى المنخرطة في المواجهة ليست جميعها جزءًا من بنية عسكرية مركزية يمكن ضبطها بقرار سياسي واحد. فبعض الفصائل المسلحة المشاركة في الصراع تعمل بهامش استقلالية واسع، كما أن جزءًا منها يرى أن استهداف إسرائيل لا ينبغي أن يخضع أصلًا لمنطق الهدنات أو الاتفاقات المؤقتة، ومع تشتت هذه الفصائل واختلاف مستويات انضباطها التنظيمي، يصبح من الصعب وقف الاشتباكات بشكل فوري حتى لو أعلنت هدنة رسمية.
حدود القدرة الأمريكية على فرض نهاية للحرب
في هذا السياق، يبدو أن التصريحات الأمريكية التي تتحدث عن القدرة على إنهاء الحرب في الوقت الذي تختاره واشنطن تفتقر إلى الواقعية من وجهة نظر طهران، فالحرب الحالية لم تعد مجرد مواجهة بين دولتين يمكن ضبطها عبر اتفاق ثنائي، بل تحولت إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف تتداخل فيه اعتبارات سياسية وأيديولوجية وعسكرية معقدة. ولهذا ترى إيران أن إنهاء الحرب بطريقة تسمح للولايات المتحدة أو لإسرائيل بإعادة إشعالها لاحقًا سيكون بمثابة قبول بدورة جديدة من التصعيد، وهو ما تحاول طهران تجنبه عبر السعي إلى فرض معادلة ردع طويلة الأمد.
نحو نظام أمني إقليمي جديد؟
في ضوء هذه المعطيات، ترى دوائر مقربة من القرار العسكري في طهران، أن الحرب الحالية بالنسبة لإيران فرصة لإعادة صياغة قواعد الأمن في الشرق الأوسط، فالهدف لا يقتصر على صد الهجمات أو الرد عليها فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة فرض توازن قوى جديد يجعل أي تدخل عسكري خارجي مكلفًا إلى درجة تمنع تكراره، وعلى هذه الخلفية ترفض إيران وقف إطلاق النار للعودة بعد أسابيع الى حرب جديدة. وإذا ما استمرت المواجهة على هذا النحو، مع احتمال توسعها بدخول قوى إضافية مثل الحوثيين أو بتصعيد أكبر من حزب الله، فإن المنطقة قد تكون أمام مرحلة طويلة من الصراع المفتوح، تتحدد نتائجها ليس فقط في ميادين القتال، بل أيضًا في شكل النظام الإقليمي الذي سيولد من رحم هذه الحرب.




