سياسة
الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية إلى أين: رؤية استشرافية

بقلم بشير مصيطفى
وزير سابق – رئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغد
تشهد منطقة المشرق العربي و خليج إيران موجة أخرى من موجات الصراع المسلح بعد تلك التي شهدتها المنطقة في جوان الماضي ولكن بفرق مهم وهو حسم ملف ( غزة ) و وقف أداء حركة ( حماس ) وبالتالي استفراد الكيان الصهيوني بعدو تاريخي هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
مرجعية التاريخ
بدأ النزاع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني تاريخيا الى مرحلتين : مرحلة سقوط نظام الشاه في 16 جوان 1979 و نجاح الثورة الإسلامية في ايران بعدها مباشرة ، ثم مرحلة تمكن طهران من الانشطار النووي الذي افرز دخول ايران مجتمع كبار النووي في العالم .
المرحلة الأولى لم تسفر سوى على تباعد و نزاع ذي طابع عقدي ولكن المرحلة الثانية هي جوهرة العقد و خلفية الحرب التي بدأت الآن.
لا يمكن فصل المرحلة الثانية من الصراع عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية العراقية ( 2003 ) لأنها تحمل نفس المحتوى وهو (مقاومة السباق النووي ) في منطقة المشرق العربي والخليج الفارسي .
البعد الاقتصادي القرن الحالي هو قرن ( الفكرة الاقتصادية ) المبنية على ( سباق النفط ) ، وكما كتبت سابقا في كتابي ( رائحة النفط – 2015 ) : كل دولة من خارج المركز الرأسمالي تملك قدرات مهمة من النفط فهي مهددة بالحرب تطبيقا لنظرية الهيمنة المبنية على فكرة القرن .
لا يمكن فصل احداث التاريخ بعضها عن بعض و لا يمكن فهمها الا في سياق التاريخ . وهكذا نفهم الحرب الحالية في الخليج الفارسي والمشرق العربي على أساس اقتصادي بحت هو استباق أسواق النفط ولذا برز اسم مضيق هرمز الى بساط الاحداث .
وبناء على مقاربة الإحصاء يحتل مضيق هرمز منذ نشوء فكرة الملاحة البحرية والصراع بين الشرق والغرب أهمية استراتيجية . ومؤشرات اليوم تدل الى ما يلي :
أولا – مضيق هرمز الذي تسيطر عليه طهران يؤمن عبور 20 بالمائة من تجارة النفط في العالم أي 21.7 مليون برميل يومي و عشرين بالمائة من عبور الغاز عبر الناقلات و 33 بالمائة من عبور السلع .
ثانيا – 80 بالمائة من تجارة دول الخليج النفطية والغاز و السلع تمر عبر المضيق .
ثالثا – 50 بالمائة من واردات دول آسيا من المحروقات تمر عبر المضيق. والنتيجة أن أي تعثر في عمل بوابة مضيق هرمز يؤثر على أسواق الطاقة ( الكميات – الأسعار – تكاليف النقل – تكاليف التأمين – بورصات النفط – اسهم شركات الطاقة في أسواق المال ) بنسبة قد تصل الى ما بين 40 و 50 بالمائة.
مشاهد استشرافية
ثلاثة مشاهد استشرافية للصراع حول مضيق هرمز هي
ا- مشهد الوضع الحالي وفيه ارتفاع أسعار النفط ومعها أسعار الغاز ولكن بشكل متحكم فيه لا يتعدى 5 دولارات للبرميل.
ب – مشهد التعقد بإغلاق مضيق هرمز لمدى طويل يفوق الأسبوعين وفيه ارتفاع أسعار النفط بشكل محسوس في اتجاه 90 الى 100 دولارا للبرميل مؤثرا على سعر الغاز وأول المتأثرين دول الاستهلاك في اسيا ومنها الصين و دول الخليج وعلى رأسها قطر التي يؤمن المضيق 80 بالمائة من وارداتها و رقم جد مهم صادراتها من الغاز المسال .
ومن تداعيات هذا المشهد أيضا انتقال الحرب لدول مجاورة أبرزها : لبنان – الكويت – قطر – الامارات .
ومن تداعيات هذا المشهد على صعيد الاقتصاد العالمي : انخفاض رقم النمو العالمي بنقطتين الى ثلاث مئوية ارتفاع رقم التضخم جراء ارتفاع أسعار الطاقة ومنها النفط والغاز وقد تصل نسبة الارتفاع الى 2.5 نقاط مئوية. ارتفاع أسعار السلع واسعة الطلب عليها جراء ارتفاع أسعار الطاقة مما يؤدي الى انكماش الطلب الاستهلاكي والطلب الكلي في الدول المستوردة للنفط ومنها أمريكا التي تستورد 30 بالمائة من حاجاتها من النفط.
ومن تداعيات هذا المشهد أيضا ارتفاع محسوس في تكاليف تأمين النقل البحري للطاقة والسلع بما يؤكد فرضية ارتفاع الأسعار العالمية.
ومن التداعيات أيضا لهذا المشهد هلع قادم في بورصات النفط والمواد البديلة و تراجع اسهم الشركات النفطية بسبب تباطؤ تجارة النفط والغاز و تضخم المخزونات بما ينذر بأزمة مالية جديدة عقب ازمة 2008
ج – مشهد التعافي بضغط من الدبلوماسية والشركاء العالميين وفيه عودة أسعار النفط والغاز للنزول و تعافي النمو في الأسواق العالمية. البدائل المطروحة في حالة المشهد الثاني ( التعقد او التفاقم ) ستعمد الدول الكبرى المتأثرة من اغلاق مضيق مضيق هرمز و تعثر الملاحة البحرية الى تصميم البدائل عن معبر هرمز – وهي مكلفة وتؤكد فرضية ارتفاع أسعار الطاقة والسلع – وهي :
ا – النقل البري عبر الانابيب على الأراضي السعودية بسعة 5 مليون برميل يومي .
ب – النقل البري عبر الكويت عن طريق الانابيب بقدرة 1.5 مليون برميل يومي .
ج – النقل البري عبر العراق الى تركيا و دول الاتحاد الأوربي بسعة 5 مليون برميل يومي .
وهذا يعني ان مجموع البدائل يسمح بتعويض نصف الكميات المحجوزة في مضيق هرمز وقدرها 21.7 مليون برميل يومي أي نصف انتاج اوبك تقريبا.
والاحتمالات اذن :
ا – صدمة نفطية ثالثة
ب – ازمة اقتصادية ومالية شبيهة بالأزمة المالية العالمية 2007 – 2008.
اللهم جنب اوطاننا وشعوب امتنا مشهد التعقيد والازمة بعيدة المدى يا رب.