صوت وصورة

التشكيل بالتراث في المسرح العربي.. سعد الله ونوس أنموذجا

نورالدين مبخوتي (تلمسان)

المسرحي السوري الراحل سعد الله ونونس (1941 _1997)، هو أيقونة المسرح العربي وحارسه وصانع أمجاده بلا منازع بحكم منجزاته ومساهماته الوازنة في إثراء ريبرتوار المسرح العربي التي تراكمت مع تدفق الزمن، حيث لمسنا فيها اجتهادات نوعية على مستوى التنظير، خاصة في بياناته عن مسرح التسييس أو من خلال ممارساته الإبداعية التي أهلته أن يحظى بمكانة مرموقة عربيا وعالميا؛ فهو الذي تولى مهمة كتابة كلمة اليوم العالمي للمسرح عام 1996 وهي السنة التي رشحته دوائر عربية لجائزة نوبل، وزكته جهات مؤسساتية ثقافية من العيار الثقيل، لكن الموت الذي له منطقه الخاص الرافض لفكرة التأجيل  استعجله. في الحقيقة، مواصفات كثيرة ميزت مشروع الراحل سعد الله ونوس المسرحي، لكن من أبرز ملامح هذه الخصوصية اشتغاله على التراث واستدعاؤه المتكرر بلا هوادة لدواعي سياسية وقومية وجمالية بالدرجة الأولى؛ فتأصيل المسرح العربي الذي ولد غريبا بفضل فعل المثاقفة مع الغرب لا يمكنه أن يتغلغل في الوجدان الجمعي العربي إلا باستحضار الموروث الثقافي والحضاري للأمة، وإعادة تشكيله، حسب ضرورات متطلبات العصر ومستجداته. هذا الوعي بالتراث وإمكانية توظيفه في المسرح جسّدته دعوات كثيرة منها تجربة أحمد شوقي، وعزيز أباظة، وصلاح عبد الصبور، ومعين بسيسو، في المسرح الشعري، وتعزز هذا الموقف مع أسماء أخرى من قبيل توفيق الحكيم في كتابه “قالبنا المسرحي”، ومع جيل الستينات، خاصة ألفريد فرج، ود. يوسف إدريس الذي نظر لمشروع مسرح السامر عبر بياناته وجسده فعليا من خلال مسرحيته الشهيرة الموسومة بـ: الفرافير.

لقد شغل التراث بال الكثير من المبدعين العرب كما هو الحال عند المسرحي عزالدين المدني (تونس)، وقاسم محمد (العراق)، أو عند اتجاهات مسرحية بعينها من قبيل الاحتفالية والمسرح الثالث ومسرح النقد والشهادة ومسرح عبد القادر علولة.

 لم يشذ سعد الله ونوس عن هذه الكوكبة، وخاض تجربة الاحتفال بالتراث الذي شكل ركيزة من ركائز مسرحه، ويمكن أن نمثل له بمسرحية “الفيل يا ملك الزمان”، ومسرحية “مغامرة رأس المملوك جابر”؛ ففي العمل الأول يعود إلى حكاية شعبية معروفة، وفي العمل الثاني يغترف من التاريخ العربي القديم بكل تناقضاته، خاصّة فيما يتعلق بصراع السلطة وفسادها وتأثير ذلك على الرعية التي تعيش حالة تراجيديا على أكثر من صعيد في مسرح سعد الله ونوس المادة التراثية بجماليات عالية مستفيدا من تيارات المسرح العالمي التي تمثلها بعمق، خاصّة المسرح البريختي، بكلّ اجتهاداته الفنية، ومنها كسر الجدار الرابع، ناهيك عن نظرية المسرح داخل المسرح، كما نظر لها بيرانديلو، بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك، فنقول إن سعد الله ونوس، رحمه الله، استفاد من نظرية ستالنسكي في الإخراج والتمثيل، لهذا كان يبدع نصوصا مسرحية تستجيب لشروط الركح وقواعد التمثيل المتعارف عليها، ومن هنا اتصفت هذه المادة التراثية الممسرحة بصفة الديمومة والحركة لأنها اتخذت من اللعب المسرحي دعامة من دعائمها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى