الباحث عبد القادر مشاوي يتتبّع سيرة عميد الصحافة الاستعمارية في الجزائر

يتتبّعُ كتاب “إرنست ماليباي: عميد الصحافة الاستعمارية في الجزائر”، Ernest Mallebay : Doyen du journalisme colonial en Algérie”، للباحث عبد القادر مشاوي، الصّادر عن دار الأمير للنشر والتوزيع والترجمة، السّيرة الذاتية لإرنست مالباي، وهو أحد أبرز الصحفيين في الجزائر، خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية. وقد وُلد مالباي في فرنسا عام 1857، ونشأ في بيئة عائلية بسيطة، لكنّه كان دائمًا يسعى للتميُّز والبحث عن الحقيقة.
وقد شقّ مالباي طريقه نحو الصحافة، بعد صعوبات شخصية منذ صغره، حيث بدأ مسيرته المهنية كأستاذ في بلدة بليدة الجزائرية. ومن هناك، دخل عالم الصحافة عبر كتابة مقالات في الصحافة المحلية، ليكتسب شهرة بفضل قلمه الحاد والمتميّز، ثم سرعان ما انتقل إلى العاصمة الجزائرية، حيث أصبح من الشخصيات المؤثرة في الصحافة الاستعمارية.
ويؤكد مؤلّف الكتاب بالقول “رغم سعيه الدائم للعدالة وتبنّيه مواقف مناهضة للفساد والظلم، إلا أنّ نظرته للجزائريين كانت محدودة. ولم يتمكّن مالباي، الذي دافع بقوة عن حقوق المستوطنين الفرنسيين وحاول رفع صوتهم ضد كبار الملاك الفاسدين، من التعامل مع الوضعية الصعبة التي عاشها الجزائريون. في نظره، كان الجزائريون، رغم حياتهم الصعبة ومعاناتهم من التهميش، أشبه بشعب غير موجود في الحقل السياسي والاجتماعي. ولم يتطرق مالباي بشكل جدّي إلى معاناة السكان الأصليّين أو إلى قضايا التعليم والصحة التي كانوا محرومين منها”.
من جهة أخرى، يضيف المؤلّف، بالقول “كما تجاهل مالباي القوانين الجائرة التي فُرضت على الأهالي، مثل قانون الأنديجانا وقانون كريميو، والتي أضرّت بشكل كبير بالجزائريين. وكان قانون “الأنديجانا” يهدف إلى تنظيم الوضع القانوني للأهالي، لكنه أدّى إلى تهميشهم ومنعهم من التمتُّع بحقوقهم الأساسية، بينما قانون “كريميو” عزّز من السيطرة الاستعمارية وفرض قيودًا إضافية على حرية الحركة والتملك. وبرغم أنّ هذه القوانين كانت تمثل انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، إلا أنّ مالباي لم يستخدم قلمه للحديث عنها أو للتحذير من عواقبها”.
ويظهر من خلال الكتاب، هذا التناقض بوضوح؛ فبالرغم من عدالته في بعض القضايا ورغبته في الدفاع عن المظلومين، لم يستطع مالباي رؤية الجزائريين كجزء من هذا النسيج الاجتماعي، بل ظلت نظرته قاصرة على المستوطنين الفرنسيين. ورغم أنّ إرنست مالّباي، كان يعتبر من الصحفيين المستنيرين والمنصفين نسبيًا في نظرته للأحداث والشخصيات خلال الحقبة الاستعمارية، إلا أنّ تلك العدالة التي سعى لتحقيقها في تغطياته الصحفية لم تترجم بالكامل في تعامله مع وضعية الجزائريين.
وعلى الرغم من سعيه لتقديم تقارير متوازنة ونقده لبعض سياسات الاستعمار، إلا أنّ مالّباي لم يستطع الهروب من العقلية الاستعمارية التي كانت تنظر إلى الجزائريين على أنّهم جزء من الأرض المحتلة، وليسوا كيانًا اجتماعيًا وثقافيًا مستقلًا. وكان يعامل القضايا الجزائرية وكأنها قضايا تابعة للمستعمر الفرنسي، دون الاعتراف الكامل بأنّ الجزائريين كانوا شعبًا له تاريخه وهويته.
وهذه الازدواجية كانت سمة واضحة في العديد من الصحفيين الفرنسيين آنذاك، حيث كانوا قادرين على انتقاد بعض ممارسات الاستعمار دون أن يلتزموا بشكل كامل بقضية استقلال الجزائريين وحقهم في تقرير مصيرهم. ورغم عدالته النسبية، لم يكن مالّباي استثناءً في هذا السياق، إذ ظل ينظر إلى الجزائريين من منظور ثقافي استعماري، وهو ما جعل رؤيته لهم ناقصة وغير مكتملة.
ويخلص المؤلّف إلى القول بأنّ “مالّباي كان شخصية مركبة؛ صحفي صاحب مبدأ ونزاهة نسبية، لكنه في الوقت نفسه، كان أسيرًا لثقافة استعمارية لم تترك له مساحة كافية لرؤية الجزائريين كشعب مستقل يستحقُّ الحرية والاعتراف الكامل بحقوقه”.
وفي النهاية، يبرز الكتاب، كيف عاش مالباي حياة مليئة بالتحديات، لكنّه لم يتخلّ عن قلمه أبدًا، حتى وإن كانت رؤيته محدودة تجاه الواقع الجزائري. لقد آمن بأنّ الصحافة ليست مجرد مهنة، بل مسؤولية ورسالة في نقل الحقيقة، وإن كانت هذه الحقيقة غالبًا ما تغيب عنها أصوات الجزائريين، وكذلك انتهاكات حقوقهم بموجب القوانين الاستعمارية الجائرة.
يُشار إلى أنّ الباحث، عبد القادر مشاوي، مؤلّف هذا الكتاب، متحصّل على شهادات عليا في التاريخ والتسيير المالي، ويشتغل أستاذًا بالمعهد الوطني لتكوين الإطارات الدينية بغليزان (غرب الجزائر)، وقد سبق له أن أصدر العديد من الكتب، أهمُّها “غراب على غصن زيتون” (رواية تاريخية، 2019)، فضلا عن العديد من الكتب المترجمة، والنصوص المسرحية.




