إيران من رحم العقوبات إلى نهضة شامخة: بعد الصبر الاستراتيجي…طهران تجبر واشنطن على التوقيع النووي

العائد من طهران: مراد أوعباس
الزائر لإيران هذه الأيام يلحظ النقاش المفتوح بين مختلف النخب الإيرانية، سواء في المحطات الفضائية المحلية أو على عناوين الصحف، بخصوص النتائج المحتملة لمسار المفاوضات الغير مباشرة بين إيران وواشنطن بخصوص الملف النووي الإيراني، المفاوضات التي تجري بوساطة سلطنة عمان…
البداية من مشهد… العودة إلى الإنسانية؟
بداية زيارتي كانت من مشهد بمناسبة انعقاد الندوة الدولية السادسة للإمام الرضا رضي الله عنه وأرضاه، تحت عنوان: “حقوق الانسان والكرامة الإنسانية في تعاليم الإمام الرضا” بالتنسيق بين العتبة الرضوية وجامعة طهران، يومي 5 و6 من شهر ماي الجاري، بحضور شخصيات علمية وفكرية وحقوقية من 21 دولة.
امتاز الملتقى بطرح فكري قوي باعتبار مدرسة آل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، مرجعا حقوقيا في مجال التشريع والممارسة، على مختلف الأصعدة، والأزمنة، وهذه المدرسة لها أن تلعب دور في وقتنا المعاصر مع الانهيار المتسارع للمنظومة العالمية التي تم انشاؤها عقب الحرب العالمية الثانية، وقد فشلت جميع المؤسسات الدولية على حماية حقوق الانسان، ليس فقط في مجال المادي للحقوق بل تجاوزها الى مجالات أخرى كالأكل والشرب والتعليم، وان قوى الهيمنة الغربية والاستكبارية كما ذكر احد المتدخلين تسببت في إبادة ملايين البشر منذ الحرب العالمية الأولى والثانية، وما يحدث في غزة ليس مجرد مثال، أو حدث عرضي، بل تعبير عن قناعات وشريعة يعتنقها هذا الغرب المارق” البعيد عن المسألة السياسية والأخلاقية، مما يستدعي النخب الحرة وذوو الضمير أن تتسارع الى انقاذ الإنسانية من هذا السقوط الحر نحو الهاوية…
وخلص المتدخلون أن المدرسة الفكرية لأهل البيت الكرام قد أرست مبادئ متكاملة تدعو إلى احترام حرية التعبير وحقوق الإنسان، مؤكدة على أن هذه الحقوق جزء لا يتجزأ من التعاليم الإسلامية، التي تسعى لتحقيق العدالة والكرامة الإنسانية.. كما يمكن أن تشكل هذه المدرسة، مرجعًا هامًا في بناء رؤية إسلامية معاصرة لحقوق الإنسان، إذ يقدم نموذجًا متوازنًا لحرية التعبير التي تتفق مع العدالة الاجتماعية وتحترم حقوق الآخرين. كما أن هذه الرؤية تفتح المجال للمؤسسات الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي اليوم لإعادة تقييم ممارسات حرية التعبير على ضوء هذه المبادئ النبيلة، التي تعزز من تماسك المجتمع وتساهم في بناء أنظمة حكم تحقق العدالة والحرية على أسس من المسؤولية والاحترام المتبادل.
نهضة علمية وإنجازات بتوقيع أنامل إيرانية
بعد ملتقى مدينة مشهد، توجهت على متن القطار السريع الى مدينة طهران التي تقع على بعد 800 كلم، التي قطعناها حوالي 08 ساعات، حتى أقف على طبيعة وجمالية وكذا جغرافية المكان.
وما شد انتباهي جمال القطار، وتنظيمه وتوزيع غرفه، وبشاشة طاقمه من العمال، حيث توفر شركة النقل الإيرانية، أسباب الراحة للمسافرين من تلفاز لمشاهدة مختلف البرامج والأفلام، مع خدمات الاطعام، فضلا عن التقنية والتكنولوجيا التي تدار بها المحطة…
فمنذ 2006 وأنا أتردد على طهران في فترات متقطعة ومناسبات مختلفة، أخرج بنفس الملاحظة، مستوى النهضة والتنمية، وكذا الإنجازات التي تم تحقيقها على أرض الواقع، والمشاريع الجديدة التي تم اطلاقها هنا وهناك في مختلف انحاء الجمهورية وتحت مراقبة صرف المال العام من نواب مجلس الشورى الإسلامي، ويظلم من يعتقد وخاصة من متابعي الشأن الإيراني أن الحكومة الإيرانية تولي أهمية بالصناعات الحربية، فحسب، وتغفل بقية الجوانب، حيث تضع اليوم ايران في مصف الدول التي تصنع سلاحها، وتحمي حدودها من أي تهديد خارجي، بل وكما تذكر مختلف التقارير -المناوئة منها والصديقة- أن الحكومات الإيرانية المتعاقبة في عمل دائم وتناغم منسجم، قصد ولوج بلادهم نادي الكبار وبامتياز، ومن الباب الواسع.
فقبل قدومي الى طهران شهدت تنظيم العاصمة طهران، مثلا تنظيم أضخم تظاهرة اقتصادية من خلال معرض الصادرات الإيرانية، بحضور ضيوف ومستثمرين من مختلف انحاء العالم ومن بينها مشاركة وفدين من رجال الاعمال من الجزائر، وخلال تواجدي في طهران كذلك أقيم معرض البترول والغاز، الذي يحضره حتى الأوروبيون وممثلين عن شركات أمريكية، وباتت اغلبها تتحين الفرصة، لأبرام صفقات مع نظيرتها الإيرانية، فيما سيأتي من مشهد لو تم توقيع الاتفاق النووي المرتقب بين طهران وواشنطن، فبعض من هذه الشركات باتت تفصح عن نيتها في السر لعقد صفقات مع الحكومة الإيرانية.

اليوم النهضة الإيرانية، امتدت نحو مجالات متعددة كالتعليم، والبحث العلمي، والتقني، والأخذ بأسباب النهوض بالأمة الإيرانية، وبالتالي امتلاكها ناصية العلم وأسباب التطور التكنولوجي، فعلى سبيل المثال قطعت ايران وفي وقت مبكر، اشواطا كثيرة مكنتها من بلوغ مستوى صناعة السيارات وباقتدار، وبدايتها من خلال صناعة وإنتاج قطع الغيار، ومختلف مستلزمات واكسسوارات السيارات صناعة محلية…
وفي مجال الطب تحولت مستشفيات طهران وغيرها الى مراكز استقطاب، للعديد من الوافدين الأجانب للعلاج في مصحاتها ومن مختلف التخصصات، فضلا عن عمليات التجميل التي باتت تنافس هي الأخرى على سبيل المثال نظيرتها التركية…
وفي مجال الصادرات فبالرغم من العقوبات الغربية الظالمة، يأتي النفط، والغاز الطبيعي، في المقدمة، ثم الفحم، والنحاس، وخام الحديد، والرصاص، والمنجنيز، والزِّنك، والكبريت، فضلا عن السجاد الإيراني المشهور عالميا، وكذا الفواكه، المجففات (الفستق/ الكشمش والتمور) والمنتجات الغذائية وسمك السلمون الجلود، الكافيار، وكذا منتجات البتروكيماويات، الى المنسوجات، الألبسة، وغيرها كثير…
ويترقب الإيرانيون والجزائريون على حد سواء، تفعيل عديد الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، وذكرني علي، وهو اطار متقاعد التقيت به في محطة القطارات بمشهد، توقيع بروتكول اتفاق شراكة في مجال النقل بالقطارات، بين شركة النقل بالسكك الحديدية الجزائرية ونظيرتها الإيرانية، حيث عبر الجانب الإيراني استعداده نقل معارفه الى الجانب الجزائري في مجال تصليح وصناعة العربات وبتكنولوجيا متطورة.. ولاحظ علي أن الإيرانيين رغم كل الحصار المضروب عليهم تمكنوا من الحصول على مختلف التكنولوجيات ومن مصادر متعددة، ثم ختم بقوله: “يحق للإيرانيين ان يفخروا بمستوى النهضة الذي بلغته إيران بفضل روح الاستنهاض التي زرعها الامام الخميني في أبنائه من الشعب الإيراني”..
كل ذلك وإيران محاصرة، وقد قص علي أحد الأصدقاء الإيرانيين، ما يعتبره البعض طرفة، أن الروس طلبوا من الإيرانيين تعليهم كيفية تجاوز العقوبات الامريكية والغربية…
إجماع نووي… تفاؤل حذر، العقوبات نعمة وليست نقمة؟
لا يكاد يجمع الإيرانيون على موقف واحد من مصير المفاوضات التي جرت جولتها الرابعة الأحد الماضي (05 مايو 2025) في مدينة مسقط، بسلطنة عمان، ويذهب مرافقي وزميلي الإعلامي رضا. ش، أن الشعب الإيراني ألمته كثيرا العقوبات الأحادية الجانب، التي فرضتها مختلف الإدارات الأمريكية على مدار 47 سنة من انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الامام الخميني، رحمه الله، التي تحررت بفضلها من الهيمنة الغربية، ثم يعود ويستدرك: “قد تكون هذه العقوبات نعمة علينا، فلولها ربما لأصبحنا نتسول الطعام والتكنولوجيا، أكاد أحمد الله على هذه العقوبات”.
وبخصوص الملف النووي ومسار المفاوضات التي دخلت جولتها الرابعة، يبدو زميلي متشائما، لماذا؟ سألته، يجيب” لأن بكل بساطة أمريكا تكذب ولا نثق بها، وقد انجز الاتفاق النووي فيما مضي بين مجموعة 1+5، إلا أن الرئيس ترامب آنذاك انقلب على الاتفاق، وقلب الطاولة ودفع دول الاتحاد الأوروبي الموقعة عليه للانسحاب منه”، وهي نفس المسألة التي يلحظها محمود اطار سابق، يبدو متشائما كثيرا، فقبيل التئام الدورة الرابعة من المفاوضات الغير مباشرة بين طهران وواشنطن، في مسقط، فرضت الإدارة الامريكية يقول مزيدا من العقوبات على كيانات إيرانية، يردد محمود وهو في العقد السابع من العمر “واشنطن تلميذ غبي لا يفقه الدرس” المقولة التي رددها ذات يوم الجنرال جياب: “الاستعمار تلميذ غبي لا يفقه الدرس” هذا الجنرال الفذ صنع ملحمة شعبه ودحر قوات الجيش الأمريكي…
“هذا هو المنجز” تقول مريم وهي طالبة في جامعة طهران، فتعتبر مجرد اللقاء الغير مباشر بين الطرفين، إنجازا كبير للديبلوماسية الإيرانية على صعيد حلحلة عناصر التوتر في الملف النووي الإيراني، ولكنها تصر على اعتبار “القضية النووية جزء من ثوابت الشعب الإيراني وليس فقط بالنسبة للجمهورية الإسلامية، فمن حقنا ان نتمتع بهذه القدرة النووية للنهوض بالاقتصاد وتنمية البلد”، كما أن إيران التزمت وتعهدت بسلمية برنامجها النووي “أفتى العلماء والمراجع في البلد على تحريم استخدام النووي لأغراض عسكرية” ومن مقعده ينتفض طالب في العقد الثاني من العمر، كان يجلس معنا: “لماذا لا يسأل الطرف الآخر عن أغراض برنامجه النووي، ونواياه؟ وقد هدد أحد وزراء الكيان الغاصب استعمال السلاح النووي في مواجهة المقاومة والشعب الفلسطيني في غزة”….
قبل أن أغادر هاتفني زميل إيراني كنت قد لخصت له في تحليل موجز إمكانية التوصل الى حل يرضي كلا الطرفين، بناء على عديد المعطيات، في حين بدى اكثر تشاؤما، أخبرني أن تحليلي يعبر عن رأي خبير، وهو أقرب الى الرسميين الإيرانيين وتعليقاتهم التي باتت تجمع اليوم وبعد الجولة الرابعة على قرب التوصل الى اتفاق لحل القضية النووية ورفع العقوبات عن ايران، قال مازحا: “اعتقدتك عنصرا في الوفد الإيراني المفاوض…”، ننتظر الجولة الخامسة وما ستسفر عنه من نتائج…




