أيمن زيدان.. فنانٌ بأكثر من قبّعة!

أحمد بن رابح
تُقدّم دار أندلسيات للنشر والتوزيع بالجزائر، الممثّل السُّوري، أيمن زيدان، عبر إعادة نشر كتابيه “سأصير ممثّلا” و”وجوه”؛ وهما إصداران يُبرزان، الوجه الثاني لأيمن زيدان، وهو وجه الأديب؛ إذ اقتصرت معرفة القارئ الجزائري، في وقت سابق، على صورته كواحد من أهمّ وجوه التلفزيون والمسرح والإخراج في سوريا والعالم العربي.
في الكتاب الأوّل “سأصير ممثّلا”، الذي سبق وأن صدر عن دار كنعان للدراسات والنشر )سوريا / 2022(، يقول زيدان “في إحدى الأمسيات القريبة، وبينما كنت أُرتّب مكتبتي، وقعت تلك الأوراق بين يدي، وما أن بدأت بتصفّحُها حتى طالعتني وجوهٌ مرّت في حياتي ولم أعد ألتقيها، ولحظات كانت يوماً ما عابقة بالحلم والحماسة، دروب وأمكنة ما عادت تشبه كنهها، حكايات حفرت في وجداني آثاراً عميقة، ذكريات متناثرة بالتداعيات المتدفقة، كلُّ هذا حملني إلى ذاك الزمن الذي أحبّ، فرميت على الورق ما أحسست به وما عايشته. تذكّرت هواجس حلمي في أن أصير ممثلاً، وتوقفت عند الوجوه واللّحظات والأمكنة، لم تكن غايتي التأريخ للحركة المسرحية أو صياغة مذكرات شخصية، كلُّ ما في الأمر أنّني أحسست برغبة عارمة في البوح عن حلمي الأول والذي ربما يراود الكثير من جيل الشباب المسكون بشغف المسرح فكتبت محطات مبعثرة من هذا البوح تحت عنوان (سأصير ممثلاً)”.
وجاءت الطبعة الجزائرية لهذا الكتاب ممهورة بتقديم بقلم الروائيّ والشاعر، عزالدين ميهوبي، بعنوان “الطفل الذي حارب الكراسي الفارغة”، من أهمّ ما جاء فيه “لم يكن المسلك الذي رغب فيه أيمن زيدان واختارته له الظروف سهلا ومفروشا بالورود..؛ فالرّجل في سرديّته المذهلة، التي روى فيها رحلته الشّاقة ليصيرَ ممثلاً مسرحيا، تجعلك عند آخر كلمة ترفعُ له القُبّعة ثلاث مرّات. الأولى، لهذا النّفس السرديّ الرفيع، لغةً واستحضارًا لتفاصيل عادةً تسقط من الذّاكرة مع مرور السنوات، من أسماء أشخاص وأحداث ووقائع ومواقف، ضمن مسار كرونولوجي يجعلك على مسافة الصّفر مما عاشهُ وعايشه أيمن من طفولة يتملّكُها الشّغف بالمسرح، إلى سدّة التراكم في التجربة المسرحيّة. الثّانيّة، هي التأريخ من خلال تجربته لتطوّر الحالة المسرحيّة في سوريّة، كيفَ تبدأ بعرض في مدرسة لتصل إلى خلافٍ مع أصدقائك في اختيار القاعة الأكثر مواءمة لمسرحية محترفة. وهي التجربة التي أمكن من خلالها معرفة تطوّر الأشكال المسرحيّة في أربعة عقود، من الهاوي إلى المحترف مرورا بكل الأشكال التي تتأرجح دائما بين الرسميّ والشعبيّ، وبينهما ينمو الحس المسرحي الإبداعي الذي يقاوم حُرّاس النوايا داخل الفضاءات الثقافيّة. أمّا الثالثة، فتخصًّني، هي أنّ الأحكام المسبقة التي ترسّخت كقناعة لديّ، أنّ السّواد الأعظم من أهل المسرح والسينما، يتّكئون على غيرهم من الكُتاب في تحرير نصوصهم وتدوين مذكراتهم، غير أنّني وجدتُ فيما قرأته من هذه السرديّة المتفرّدة في إيقاعها ولعتها وروح الدعابة فيها أن أرفع للأستاذ أيمن أكثر من قُبّعة”.
أمّا الطبعة الجزائرية لكتاب “وجوه”؛ فجاءت أيضا بتقديم كتبه الروائي، أمين الزاوي، بعنوان “جماليات البيان في نكبة الزمن”، قدّم فيه قراءة أوّليّة لمضمون الكتاب. ومن أهمّ ما جاء فيه “روعة البيان في نكبة الزمن..، في كثير من المرّات لا تعبّر عن حالنا الراهن وبصدق إلا بعض الصيغ النازلة من زمن غابر وبصياغة معتقة، هكذا كان شعوري وأنا أنتهي من قراءة كتاب “وجوه” للممثل المسرحي والسينمائي السوري أيمن زيدان. ومنذ البداية تساءلت: كيف يمكن لممثل مسرحي وسينمائي وتليفزيوني ومخرج يقضي جلّ وقته تحت أضواء الكاميرات أن يكتب نصًّا أدبيًّا يتحوّل فيه هو نفسه إلى كاميرا من نوع خاص، كاميرا أدبية، يراقب دقات قلب العالم الذي فيه والذي من حوله ويسجّلها بشعرية متدفقة؟”. ويضيف الزاوي في مقدّمته “نصوص الممثل السينمائي، أيمن زيدان، في هذا الكتاب “وجوه” تشبه في إيقاعها الأنفاس المتلاحقة، كتابة الجري للّحاق بموعد قطار ما، قطار التاريخ، لوحات تحاول أن تقبض على بعض ما تبقّى من نار الحياة قبل أن تختفي أو تغرب، قبل أن تتحوّل إلى رماد، قبل أن يسدل الستار عنها بقذيفة عشوائية، كتابة تحت طائلة القذائف العشوائية والمبرمجة لكن دون جعجعة أسلوبية ولا دم مراق في الشوارع، بلغة شفافة يكتب أيمن زيدان الفاجعة تارة وبأسلوب مباشر واقعي حين يكون هذا الواقع أكبر من الغرائبي تارة أخرى، وما أكثر ذلك”.
ويخلص الزاوي إلى القول “قوّة وتميّز كتاب “وجوه” لأيمن زيدان يتمثل في هذا الدفاع عن الوطن والدفاع عن الوطنية دون السقوط في الشعارات السياسية الجوفاء، قوّتها أيضا في كتابة فظائع الحرب دون السقوط في “الدموية” والتسطيح، يكتب الحب تحت القذائف دون السقوط في الرومانسية الكاذبة، يكتب الشجاعة دون أن يفرغها من الخوف، تلك هي ما نصطلح عليه نقديًّا بـ “الصدق في الكتابة” أو “الكتابة الصادقة”.





