ثقافة وفن

“أعراش الدم”.. رواية تستلهم وقائعها من التحوُّلات الكبرى للمجتمع الجزائري

تشتغل رواية “أعراش الدم” (دار صفصاف للنشر والتوزيع/ الجزائر)، للروائيّ، حسين علام، على خطين متوازيين هما: خط نفسي داخلي، وخط الطبيعة وتمفصلاتها، وهو خطٌّ خارجيٌّ، كما تعمل على صوتين: صوت السّارد بضمير الأنا، والسّارد العليم.

أمّا زمن القصّة، فهو نهاية الثمانينات، حيث التحوُّلات الكبرى في المجتمع الجزائري. أمّا الزمن الداخلي، فمتعدّد، متراتب بحسب حركة الذات وتقلباتها بحثا عن هوية متوازية مع حركة فصول السّنة: خريف، ربيع، شتاء، ثم صيف، ثم خريف لنصل الى لحظة عميقة داخلية ينمحي الزمن فيها.

وتدور أحداث هذه الرواية في قرية جزائرية تخضع لمنطق القبيلة، وذاكرة الخرافة، وسكون الجفاف، حيث يولد فتى يحمل لعنة الغربة منذ ولادته، وهو ابن مناضل غامض أتى من الماضي ليوقظ صراعا نائما بين الفرد والمنظومة. والرواية تصوّر حكاية بحث عن الذات وسط أنقاض التاريخ والأسطورة، إذ تتقاطع فصول الرواية مع تقلُّبات الطبيعة: من خريف ممطر بالأسرار إلى صيف حارق بالحقيقة. 

 رواية “أعراش الدم”، إذن هي حكاية شاب جزائري، يعيش في قرية تسيطر فيها منظومة القبيلة والعشيرة على كلّ شيء. يعاديه أقرب الناس إليه: خاله وشيوخ القرية. يعدُّه الناس هنا غريبا ابن الغريب، إذ جاء أبوه، “وهو مناضل سياسي قديم”، في لحظة تاريخية معيّنة “بعد الاستقلال”، فأحدث خرقا لنظام القبيلة، وغيّر من عاداتها الثقافية.

 ويكبر الشاب غريبا، فلا أحد يريد الحديث عن والده، فيلتقي بطريقة فنتازية بدرويش القرية أثناء حفل سنوي طقسي لاستجلاب المطر، ليخبره عن سبب طرد والده. جدّته كانت تخفي عنه مفتاح بيت الوالد في الغابة. وعندما تموت الجدة يكتشف مكتبة والده، تموت الجدّة بعد أحداث دامية تصاب بها القرية نتيجة لعنة ما تنبّأت بها غجرية مجنونة عام ولادة البطل، كما تنبأ بها درويش القرية. يموت صديقه مقتولا بطريقة باخوسية في معصرة خمر.

تقتلع الحكومة حقول العنب، ويعمّ الجفاف، ويستولي أبناء خونة الثورة التحريرية على الأراضي، ويحوّلوها إلى مقالع للحجارة. ويسعى أهل القرية لاستجلاب المطر بطقوس محليّة تنتهي بمعارضة الإسلاميين لها، وارتكاب جريمة بسببها.

اكتشاف المكتبة، بعد موت الجدة نتيجة سقوط شجرة الخروب على الضريح الحامي للقرية، يغيّر من كينونة الفتى، ويعطيه الرغبة في البحث عن أبيه.

ينتقل بطل الحكاية إلى القرية الأصلية لأبيه ليكتشف أنّه مفقود، منذ حرب 1973 في صحراء سيناء.

وتتقاطع أحداث الرواية مع أحداث وشخصيات رواية (نجمة) لكاتب ياسين (1929/1989)، ومصائر أبطالها مع مصائر أبطالها، واحد منهم يحمل الاسم نفسه. وأثناء قراءتها يتأثر بها.

 في الأخير، عندما يجد قرية أبيه يصل إلى قناعة أنه يجب أن يكتفي بنفسه لا أن يبحث عن التماهي مع أب مجنون مهووس بالترحال والنضال الدونكيشوتي في مجتمعات لم تخرج بعد من سيطرة العقل العشائري والقبلي.

 رواية “أعراش الدم”، هي رواية التحوُّلات، والبحث، والتماهي، والهوية المتشظية المنقسمة بين العقلاني واللاعقلاني.

يُشار إلى أنّ الروائيّ، حسين علام، يحمل شهادة دكتوراه في الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية (2013)، وسبق له أن أصدر رواية بعنوان “خطوة في الجسد” (الدار العربية للعلوم، لبنان/ 2006)، ودراسة نقدية بعنوان “الأدب العجائبي من منظور شعرية السّرد” (الدار العربية للعلوم، لبنان/ 2010).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى