“أحمد باي”.. العودة إلى التاريخ في السّينما الجزائرية

بعرض فيلم “أحمد باي” (124 دقيقة)، خلال شهر فبراير المنصرم، وهو عملٌ تاريخيٌّ ضخم، تُعيد السّينما الجزائريّة إحياء سيرة آخر بايات قسنطينة (شرق الجزائر)، لتستحضر مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر خلال فترة المقاومة، والتحوُّلات السّياسية في القرن التاسع عشر.
هذا الفيلم التّاريخي الذي أخرجه الإيراني، جمال شورجه، استفاد من تعاون تقني (جزائري ـ إيراني)، تجلّى بوضوح في تصميم الديكورات التاريخيّة، والأزياء، والعمارة التي تحاكي بيئة قسنطينة، في تلك الفترة، ما منح الصُّورة طابعاً توثيقياً عالي الجودة، كما تعزّز الجانب الدرامي للفيلم بموسيقى تصويرية ملحميّة من تأليف الفنان التركي، فاهير أتاكولو، وبمشاركة أوركسترا ضخمة ضمّت أكثر من 100 عازف، لإضفاء بُعد شعوري يتماشى مع ضخامة الأحداث التاريخيّة.
ويُجسّد هذا الفيلم التاريخي الملحميّ عودة السّينما الجزائرية لتسجيل حضورها عبر بوابة أحداث التاريخ الجزائري الحديث، والثورة التحريرية التي صنعت أمجاد الفنّ السّابع في الجزائر، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عبر العديد من الأعمال السّينمائيّة التي كان أبرزُها فيلم “وقائع سنين الجمر” الذي أخرجه محمد الأخضر حمينة عام 1974، وتُوّج بالسعفة الذهبية في مهرجا كان عام 1975.
ويُشكّل فيلم “أحمد باي” نقلة نوعية في السّينما الجزائرية لكونه ثمرة تعاون بين السّينما الجزائرية والإيرانية، وهما نموذجان مختلفان، من حيث الرُّؤى والأدوات والتقنيات، وهذا ما جعل المخرج المنفذ في هذا الفيلم الكاتب والمخرج اللُّبناني، شادي زيدان، يُعبّر عن ذلك بقوله “التجربة في فيلم أحمد باي تميّزت بتحديات كبيرة، أهمُّها أنّ العمل مشترك بين الجزائر وإيران؛ وهما بلدان يُعبّران عن ثقافتين مختلفتين، وطريقتين مختلفتين في الإنتاج السّينمائي والدرامي، وهذا ما جعل من الضروري إيجاد توليفة بين الفريقين، كما كان هناك أيضا حاجز اللُّغة بين الفريقين الذي تمّ حلُّه عن طريق الترجمة، فضلا عن العمل على التوفيق بين بعض مقاطع السيناريو والمزج بين رؤى تاريخيّة لتحقيقها سينمائيًّا، وذلك بمشاركة المخرج، والكاتب، والمنتج، وفق طريقة بصرية مقنعة. كما أنّ الموازنة الضخمة، التي تمّ رصدُها لإنجاز هذا الفيلم التاريخي، ساهمت في إنجاز هذا العمل الذي تطلّب ديكورات، وإكسسوارات، وملابس تتلاءم وطبيعة أماكن التصوير المتنوّعة”.
من جهة أخرى، تؤكد الناقدة السّينمائيّة، نجاة رحماني، في تعليقها على أحداث هذا الفيلم، بالقول “يرسّخ فيلم (أحمد باي) حضور السّينما التاريخيّة في الجزائر، ويؤكد أنّ استعادة الشّخصيات الوطنية الكبرى ليست مجرّد استحضار للماضي، وإنّما هي تخليدٌ للذاكرة بلغة الصُّورة؛ هذه الذاكرة التي صنعت فخرنا اليوم أمام العالم. وقد جاءت الصُّورة السّينمائية في مجملها موفّقة إلى حدّ بعيد، خاصّة في مشاهد المعارك التي اتّسمت بالحركية والإيقاع، كما أظهر العمل عناية واضحة بالأزياء والعمران، بما يعكس أصالة الجزائر وعراقتها، ويعزّز صدقية الفضاء التاريخي. أمّا الموسيقى، فكانت مزجا بين الإيقاع التركي، والإيراني، مع ما فيهما من لمسات صوفية”.
وبخصوص عودة السّينما الجزائرية، خلال السنوات الأخيرة، إلى التاريخ، والأعمال الأدبية، في إنتاج الأفلام، يؤكّد الرّوائي، علي هجرسي، بالقول “في الجزائر تشكّل لدينا جيلٌ أكثر تعلّقًا بالمسلسلات الأجنبية، حتى صار الخيال مستوردًا كما تُستورد السّلع. ولم نعد ننتج صُورنا من ذاكرتنا، بل نستهلك صور الآخرين. وفقدنا بمرور السّنوات مخرجين وكتّاب سيناريو لهم ذائقة أدبية، قادرين على أن يُدخلوا الرواية والأعمال التاريخيّة إلى البيوت كما كانت تفعل السّينما حين كانت تقرأ قبل أن تُصوّر. الجيل الحالي يكتب السّيناريو بمنظور السُّوق لا بمنظور الأدب، ويحسب نسب المشاهدة أكثر ممّا يُنصت لنبض النص. المؤلم أيضا أنّ كثيرًا من المخرجين اليوم لا يعرفون أعمال محمد ديب، ولا يقرأون الروايات الجزائرية التي صنعت وعينا الجمالي والوطني. تخيّل فقط لو تحوّلت بعض نصوص محمد ديب مثلا، أو نصوص جيل كامل من الروائيين، إلى أفلام بصدق فني وحسّ بصري عميق؛ كم من عمل سينجح، لا تجاريًا فقط، بل وجدانيًا أيضًا. المشكلة ليست في غياب النصوص، بل في غياب الجسر بين الرواية والتاريخ والكاميرا. حين تنفصل الصُّورة عن الكتاب، نفقد ذاكرتنا مرّتين: مرّة لأننا لا نقرأ، ومرّة لأننا لا نشاهد أنفسنا على الشاشة”.




