سياسة
هل دشنت طهران نظاماً جيوسياسياً جديداً في الشرق الأوسط؟

طهران: علي الموسوي
لم تعد التطورات الأخيرة في المواجهة بين إيران وإسرائيل مجرد حلقة جديدة في سلسلة الصراع الممتد بين الطرفين، بل تبدو أقرب إلى لحظة تحول استراتيجية تعيد رسم قواعد الاشتباك، وتؤسس لمرحلة مختلفة في معادلات الأمن والردع في الشرق الأوسط. فالهجوم الذي نفذه الحرس الثوري الإيراني ليلة الأحد الى الإثنين، ضد أهداف داخل الأراضي المحتلة، عقب التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان واستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، لا يُقرأ فقط بوصفه رداً عسكرياً مباشراً، بل باعتباره إعلاناً عن انتقال إيران من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل والمبادرة.
لقد مثّلت العملية الإيرانية، التي شملت أربع موجات هجومية متتالية استهدفت مواقع استراتيجية في شمال فلسطين المحتلة وهضبة الجولان، أول تدخل إيراني مباشر بهذا الحجم والوضوح ضد إسرائيل. ومن هنا تكمن أهميتها، إذ إنها لا تعبر عن رد انتقامي محدود، وإنما عن تغيير عميق في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية التي حكمت سلوك طهران خلال العقود الماضية.
نهاية مرحلة “الصبر الاستراتيجي”
على مدى سنوات طويلة اعتمدت إيران ما كان يُعرف بمبدأ “الصبر الاستراتيجي”، أي تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، والاكتفاء بإدارة الصراع عبر الحلفاء والقوى المتحالفة معها في المنطقة.
غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا المبدأ بات في نظر صناع القرار الإيرانيين غير قادر على حماية المصالح الاستراتيجية للجمهورية الإسلامية أو ضمان تماسك ما يُعرف بمحور المقاومة.
فالرسالة الإيرانية هذه المرة كانت واضحة: استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت أو أي ركن أساسي من أركان محور المقاومة لن يُنظر إليه كملف لبناني داخلي أو مواجهة محدودة مع حزب الله، بل باعتباره اعتداءً مباشراً على الأمن القومي الإيراني يستوجب الرد.
وبذلك تكون طهران قد أعلنت عملياً انتهاء مرحلة الانتظار وردود الفعل المؤجلة، وانتقالها إلى مرحلة المبادرة العسكرية المباشرة عندما ترى أن التوازنات الاستراتيجية مهددة.
وحدة الساحات تتحول إلى التزام عسكري
منذ اندلاع حرب غزة برز مفهوم “وحدة الساحات” بوصفه إطاراً سياسياً وإعلامياً يجمع جبهات المقاومة المختلفة في فلسطين ولبنان والعراق واليمن.
لكن التطور الجديد يتمثل في أن إيران تسعى إلى تحويل هذا المفهوم من شعار سياسي إلى التزام عسكري ملزم.
فوفق القراءة الإيرانية، لا يمكن السماح لإسرائيل بفصل الجبهات عن بعضها البعض، أو استفراد كل ساحة على حدة. وإذا نجحت تل أبيب في تحييد إحدى الجبهات أو إضعافها، فإن ذلك سيزيد من قدرتها على مواجهة بقية أطراف المحور مستقبلاً.
لذلك فإن الرد الإيراني المباشر جاء ليؤكد أن أي استهداف واسع للبنان أو لقيادة حزب الله سيؤدي إلى فتح الباب أمام تدخل إيراني مباشر، وهو ما يرفع كلفة أي قرار إسرائيلي بالتصعيد ويجعل حسابات الحرب أكثر تعقيداً.
إعادة تعريف الأمن القومي الإيراني
أحد أهم المضامين الاستراتيجية للعملية يتمثل في إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي الإيراني.
فطهران لم تعد تنظر إلى أمنها من خلال حدودها الجغرافية فقط، بل باتت تعتبر أن أمنها يبدأ من الساحات المتقدمة المنتشرة في المنطقة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن الدفاع عن لبنان أو العراق أو اليمن ليس دعماً لحلفاء فحسب، بل جزء من منظومة الدفاع الوطني الإيراني نفسها.
هذه المقاربة تعكس فهماً جيوسياسياً أوسع يرى أن المعركة الحقيقية لا تُخاض عند الحدود الإيرانية، بل في المساحات التي يمكن أن تمنع الخصوم من الاقتراب من تلك الحدود.
ومن هذا المنظور، فإن السماح بإضعاف حزب الله أو تفكيك محور المقاومة يعني، في الحسابات الإيرانية، تقريب التهديد من الداخل الإيراني نفسه.
نحو نظام جيوسياسي جديد
يرى عدد من المراقبين أن أخطر ما حملته العملية الإيرانية ليس حجم الصواريخ أو طبيعة الأهداف المستهدفة، بل الرسائل السياسية والاستراتيجية الكامنة وراءها.
فالعملية توحي بأن إيران تسعى إلى فرض معادلة جديدة تقوم على ثلاث ركائز:
أولاً، اعتبار أي هجوم واسع على لبنان جزءاً من مواجهة مباشرة مع إيران.
ثانياً، تحميل الولايات المتحدة المسؤولية المشتركة عن أي تصعيد إسرائيلي كبير، خاصة إذا تعلق الأمر باستهداف البنية التحتية أو القيادات المركزية لمحور المقاومة.
ثالثاً، تكريس حق إيران في المبادرة العسكرية الاستباقية إذا رأت أن التوازنات الاستراتيجية مهددة.
هذه الركائز، إذا استمرت وتكررت في المستقبل، قد تؤدي إلى ولادة نظام ردع إقليمي جديد تختلف قواعده عن تلك التي سادت منذ حرب تموز 2006.
المفاوضات والنار: وجهان لاستراتيجية واحدة
في خضم هذه التطورات، يلفت الانتباه تأكيد عدد من المعلقين الإيرانيين أن التفاوض والقتال ليسا خيارين متناقضين، بل أداتان ضمن استراتيجية واحدة.
فإيران، وفق هذا المنطق، لا ترى تعارضاً بين مواصلة التفاوض مع القوى الدولية حول الملفات الإقليمية أو النووية، وبين استخدام القوة العسكرية عندما تقتضي الضرورة.
وتحاول طهران من خلال هذا الجمع بين الدبلوماسية، والقوة المسلحة، أن تؤكد أنها ليست دولة تبحث عن الحرب لذاتها، لكنها أيضاً ليست مستعدة للقبول بفرض وقائع جديدة على الأرض عبر القوة الإسرائيلية أو الأمريكية.
المخاطر والتحديات
ورغم الثقة التي أظهرتها إيران من خلال هذه العملية، فإن الطريق أمامها لا يبدو سهلاً.
فإسرائيل من جهتها لن تتخلى بسهولة عن حرية الحركة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية في الساحات الإقليمية، كما أن الولايات المتحدة ما تزال ترى أن الحفاظ على التفوق الإسرائيلي يمثل أحد أعمدة استراتيجيتها الشرق أوسطية.
لذلك فإن أي محاولة إيرانية لفرض قواعد اشتباك جديدة ستواجه باختبارات قاسية وربما بمواجهات أكثر خطورة في المستقبل.
كما أن الانتقال من الحروب غير المباشرة إلى الاشتباك المباشر يرفع احتمالات سوء التقدير العسكري ويزيد من خطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة يصعب التحكم في مساراتها.
معادلة… بين نارين أو مشروعين
تكشف العملية الإيرانية الأخيرة أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة تتجاوز مجرد الردود العسكرية المتبادلة. فطهران تحاول من خلالها إعلان نهاية زمن “الصبر الاستراتيجي” وتدشين مرحلة تقوم على المبادرة المباشرة وربط أمنها القومي بمصير حلفائها الإقليميين.
وفي المقابل، تسعى إسرائيل والولايات المتحدة إلى منع تشكل هذه المعادلة الجديدة التي قد تحد من حرية تحركهما في المنطقة.
وبين هذين المشروعين المتنافسين تتشكل ملامح نظام جيوسياسي جديد، عنوانه الأساسي أن الحروب المقبلة لن تُحسم بضربة واحدة أو في ليلة واحدة، بل ستكون صراعات طويلة ومعقدة تتداخل فيها القوة العسكرية مع الدبلوماسية، ويصبح فيها رسم قواعد الردع أهم من تحقيق الانتصارات التكتيكية المؤقتة.




