العالم
هل تعيد واشنطن إنتاج فشلٍ قديم.. لغز الطيار المفقود: من “مخلب النسر” إلى فرض السيادة

طهران: خاص
في الحروب، لا تكون الحقيقة أول الضحايا فحسب، بل غالبًا ما تصبح موضوعًا للصراع بحد ذاته، وهذا بالضبط ما تعكسه قضية الطيار الأمريكي المفقود، فبصعوبة اعترف الجيش الامريكي بسقوط مقاتلة من طراز ‘إف 15 إي’ فوق الأجواء الإيرانية يوم الجمعة الماضي. وبينما أكدت تقارير دولية إنقاذ أحد أفراد الطاقم، في حين لا تزال الشكوك تحوم حول مصير الطيار الثاني الذي تحول إلى محور صراع استخباراتي وميداني محتدم بين واشنطن وطهران. منذ اللحظة الأولى لإسقاط الطائرة الأمريكية فيما أصبح يعرف بيوم الأسود للطيران الأمريكي، بدا واضحًا أن المعركة لن تدور فقط في السماء، بل أيضًا في غرف الأخبار. تعاملت كبريات وكالات الأنباء الدولية، بحذر شديد مع المعطيات المتدفقة، نقلا عن المصادر الأمريكية، التي حاولت تضليل الرأي العام والطرف الإيراني بكونها نجحت في انقاذ الطيار الأول، غير أن هذا الحذر، كشف في الوقت ذاته عن فجوة معلوماتية واضحة، حيث غابت الأدلة الميدانية الحاسمة، وتضاربت التوقيتات، وبقيت تفاصيل العملية في دائرة الظل.
في المقابل، لم تترك طهران هذا الفراغ دون استثمار، فقد جاء خطاب الحرس الثوري الإيراني حاسمًا، بل هجوميًا، حين أعلن الأحد فشل عملية الإنقاذ الأمريكية، مؤكدًا أن القوات التي حاولت التوغل تعرضت لنيران مباشرة، وأن المجال الجوي الإيراني ظل تحت السيطرة. هذا التباين الحاد بين روايتين-واحدة تتحدث عن “عملية إنقاذ ناجحة”، وأخرى عن “فشل ميداني”-لم يعد مجرد اختلاف في التقدير، بل أصبح جزءًا من حرب إدراك متكاملة، يسعى فيها كل طرف إلى تثبيت صورته قبل تثبيت وقائعه. المفارقة أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس بالضرورة: هل تم إنقاذ الطيار أم لا؟ بل: لماذا يصعب التحقق من ذلك بهذه الدرجة؟ في العادة، تحرص الجيوش، خاصة في الدول الكبرى، على توثيق عمليات من هذا النوع، لما لها من أثر معنوي وسياسي، لكن الغياب اللافت لأي دليل بصري، أو سرد تفصيلي من الجانب الأمريكي، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة.
هل هو صمت تكتيكي لحماية أساليب العمل؟ أم محاولة لتضليل العالم عن “رواية انقاذ” لم تكتمل فصولها بعد؟
في كلتا الحالتين، فإن هذا الصمت يمنح الرواية المقابلة مساحة أوسع للانتشار والتأثير. في تقديرات عدد من المحللين العسكريين، فإن خطورة هذه الحادثة لا تكمن في مصير الطيار بحد ذاته، بل في ما تكشفه من تحولات أعمق في طبيعة الصراع. فمجرد سقوط طائرة متطورة ووصول أحد أفراد طاقمها إلى أرض معادية يشير إلى أن البيئة العملياتية لم تعد كما كانت في العقود الماضية. لم يعد التفوق الجوي يعني حرية مطلقة في الحركة، بل أصبح مشروطًا بقدرة الخصم على تعقيد المجال وإرباكه. أما عمليات البحث والإنقاذ، التي كانت تُعد من أكثر نقاط القوة في العقيدة العسكرية الأمريكية، فقد باتت بدورها عرضة للمخاطر، خصوصًا عندما تُنفذ داخل فضاء جغرافي محصّن دفاعيًا.
من هنا، يمكن فهم إصرار إيران على نفي نجاح عملية الإنقاذ، ليس فقط كمسألة إعلامية، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تكريس فكرة أن أجواءها لم تعد مستباحة، وأن -أي اختراق جوي، ولو كان محدودًا-سيواجه بردّ مكلف. رفضت المصادر العسكرية الإيرانية، الكشف عن تفاصيل دقيقة حول ما إذا كان الطيار قد أصبح بالفعل في قبضة القوات المسلحة الإيرانية. واكتفت بالإشارة إلى أن الرواية التي تسوقها واشنطن لا تعكس الحقيقة الكاملة، مشككة حتى في تفاصيل عملية إنقاذ الطيار الأول التي أعلنت عنها أمريكا.
وحذرت المصادر من أن قضية الطيارين قد تتحول إلى ‘قضية دولية’ جديدة للولايات المتحدة، خاصة في ظل سياسة التكتم والتستر التي تنتهجها الإدارة الأمريكية.
واعتبرت أن اللجوء إلى قصف الطيار المفقود يعكس حالة من الارتباك والذعر من التداعيات السياسية في حال تم عرضه أمام وسائل الإعلام العالمية. في المقابل، يحتاج الرئيس دونالد ترامب، إلى تثبيت صورة مغايرة تمامًا: دولة قادرة على الوصول إلى جنودها في أي مكان، وتملك من الوسائل ما يكفي لتجاوز العقبات الميدانية. وبين هاتين الصورتين، يتحول الطيار المفقود إلى رمز لصراع الإرادات أكثر منه مجرد عنصر في معادلة عسكرية.
ولعل ما يزيد هذا المشهد تعقيدًا هو استدعاء الذاكرة التاريخية لدى الإيرانيين، سواء بشكل مباشر أو ضمني. فحادثة اليوم تعيد إلى الأذهان تجربة عملية “مخلب النسر”، في صحراء طبس سنة 1980، التي شكّلت واحدة من أكثر اللحظات إحراجًا للجيش الأمريكي في إيران. صحيح أن الفارق التكنولوجي بين الأمس واليوم هائل، لكن طبيعة التحدي تبقى متشابهة: العمل داخل بيئة معادية، تحت ضغط الزمن، مع هامش خطأ ضيق للغاية.
وهذا ما يجعل أي تعثر— للحدث لو كان محدودًا—قابلًا للتضخيم، ليس فقط من قبل الخصم، بل أيضًا في الوعي الجمعي. في النهاية، قد تظهر الحقيقة الكاملة في وقت لاحق، وقد تبقى بعض تفاصيلها طيّ الكتمان لسنوات. لكن المؤكد أن هذه الحادثة، بغض النظر عن نتيجتها النهائية، قد كشفت عن واقع جديد: لم تعد الحروب تُحسم فقط بالقوة النارية أو التفوق التكنولوجي، بل أيضًا بالقدرة على إدارة الرواية والتحكم في تدفق المعلومات. وفي عالم كهذا، قد لا يكون الانتصار لمن ينجح في تنفيذ العملية، بل لمن ينجح في إقناع الآخرين بأنه نجح.




