هالة العباسي تبحث أزمة الإنسان المعاصر كما رآها هربرت ماركوز

في كتابها الصادر دار ألفا دوك للنشر، تحت عنوان “أزمة الإنسان في المجتمع المعاصر عند هربرت ماركوز”، تحاول الباحثة، هالة العباسي، أن تقارب أزمة الإنسان المعاصر، مثلما يراها الفيلسوف الأمريكي الألماني هربرت ماركوز (1898/1979).
وتؤكد الباحثة في مقدمة الكتاب بأنّ “تأمل المجتمع الصناعي الرأسمالي المعاصر وما حققه من مستويات مختلفة قد بلغت مراتب عليا، فإنجازات المجتمع ومستويات تطوره التقني المحققة وما رافقها من محاسن الوفرة والرفاه، حدّدت نمطا جديدا للحياة. وهذه الإنجازات ينظر إليها عادة على أنها دليل سلامة التوجه الحضاري وعلى قدرة الإنسان على الارتقاء في حياته إلى مراتب من التقدم تجعل حياته أحسن وأفضل، كما يرافق هذه الإنجازات الترويج لقدرة العقل على تجاوز كل العوائق التي كانت في الماضي، لكن هناك تيارات فلسفية متعددة تعتقد أن هذه الإنجازات ليست بريئة فهي تحجب مجموع إخفاقات وانحرافات هذا المجتمع الصناعي كما تموّه الحقيقة”.
وتضيف مؤلفة الكتاب بالقول “الكثير من المفكرين لم يشيدوا بهذه الإنجازات بقدر ما وجهتهم إلى تأمل وضع الإنسان ضمن هذا الإطار الاجتماعي المتميز، ومن بين هؤلاء المفكرين أعلام مدرسة فرانكفورت، وخاصة هربرت ماركوز؛ هذا الأخير الذي قام بنقد المجتمع الغربي ونظامه المتمثل خاصة في النظام الرأسمالي الليبرالي وما أوجده من قمع وبؤس وشقاء للإنسان، بل جعل إنسان هذا العصر ذا بعد واحد في ثقافته وحضارته لا يفكر إلا في ما تنتجه السلطة، والتي تسعى إلى دمج كل فئات المجتمع وتحقيق السيطرة والهيمنة خاصة وأنها تملك أنجع وسيلة وهي التقنية مما زاد التسلط والقمع مقارنة بالعصور السابقة”.

من جهة أخرى، تشير مؤلفة الكتاب بالقول “حاول ماركوز من خلال تحليلاته النقدية أن يكشف حقيقة الوجود الإنساني ضمن المجتمع الصناعي وما رافقه من تكييف لوعيه وتنميط سلوكه، لأن النظام الرأسمالي يشتغل بآليات تنفي أي إمكانية للمعارضة أو التغيير. كما تعمل هذه الآلية على خلق حاجات وهمية للإنسان وتوجيه الفرد نحو الفكر الاستهلاكي. وقد أدى هذا النزوع إلى عجز كبير في التفكير، فالعقل في نظر ماركوز أصبح أداة للسيطرة موجهة للحفاظ على الوضع القائم وتثبيته”.
وتؤكد الباحثة هالة العباسي على أنّ “هناك عدة عوامل وتأثيرات ساهمت في النضج الفكري لماركوز، ولقد رتبها الدكتور فؤاد زكريا كالتالي: كان تأثير هيجل هو الأسبق وهو الذي ظل ملازما له حتى النهاية، وتلاه تأثير كل من ماركس ونيتشه، وفي مرحلة تالية كان تأثير فرويد وهيدجر”.
وتخلص إلى أنّ “ماركوز أراد إبراز حقيقة الإنسان في المجتمع المعاصر من خلال محاولة الجمع بين مذاهب وآراء مختلفة، فقد جمع بين تصور هيجل، حيث اعتبر أنّ الإنسان لا يصنع التاريخ بقدر ما يصنع التاريخ الإنسان. وهذا ما يحاول ماركوز إثباته حين اعتبر أنّ المجتمع المعاصر يملك القدرة على تشكيل الإنسان وفقا للمتطلبات التي خلقها هذا المجتمع. وكذلك تصوّر ماركس الذي اعتبر أن العوامل الاقتصادية هي المتحكم والمسيطر في الإنسان، وفرويد من خلال الكشف عن صور قمع الحياة الجنسية. كل هذه التأثيرات رسمت لدى ماركوز وضع الإنسان في المجتمع الصناعي. لقد جاء هربرت ماركوز بنقده للمجتمع الصناعي كمرحلة أولى لإعداد مشروع للتحرر ويعتبر ماركوز الهيمنة التي يخضع لها الفرد داخل المجتمع المغلق ستكون دافعا للتغيير والتحرر”.




