العالم
نزع السلاح بكرامة وطنية: هل تصلح تجربة إيرلندا الشمالية نموذجًا لحماس؟

المستشار د. أحمد يوسف
يكثر الحديث في الأوساط السياسية عن إمكانية نزع سلاح حركة حماس بعد حرب غزة، وكأن المسألة إجراء أمني بسيط يمكن فرضه بالقوة أو بقرار دولي. لكن التاريخ يُعلّمنا أن السلاح، حين يرتبط بالكرامة الوطنية، لا يمكن فصله عن السياق السياسي الذي أوجده. لذلك، من الأجدر أن ندرس تجارب نجحت في تحويل الفصائل المسلحة إلى قوى سياسية مندمجة في الدولة، مثل تجربة إيرلندا الشمالية التي أنهت عقودًا من الصراع الدموي عبر اتفاق سياسي شامل، لا عبر الإكراه العسكري. في تجربة إيرلندا، لم يبدأ السلام من شرط نزع السلاح، بل من اتفاق “الجمعة العظيمة” عام 1998، الذي جمع بين تقاسم السلطة، وإصلاح الأجهزة الأمنية، واعتراف متبادل بين الفرقاء.
وعندما شعر مقاتلو الجيش الجمهوري الإيرلندي بأن حقوقهم السياسية مضمونة، وأن الكرامة لم تُمس، بدأوا بالتخلي الطوعي عن السلاح، بإشراف لجنة دولية مستقلة حافظت على السرّية والاحترام المتبادل. بعبارة أخرى: السلاح لم يُنزَع قسرًا، بل فَقَدَ وظيفته في ظلّ ثقة جديدة بالدولة. هذه التجربة تقدّم دروسًا يمكن الاستفادة منها في الحالة الفلسطينية، وإن لم يكن بالإمكان تطبيقها حرفيًا.
أول هذه الدروس أن المعالجة السياسية تسبق الأمنية؛ فالسلاح في غزة ليس مجرد أداة قتال، بل رمز لصمود شعب محاصر، ووسيلة دفاع عن هوية وطنية مهددة. لذلك لا يمكن الحديث عن نزع السلاح قبل صياغة رؤية سياسية تضمن الشراكة في الحكم، ورفع الحصار، وإعادة إعمار القطاع ضمن إطار وطني جامع.
الدرس الثاني، هو أهمية الوساطة المستقلة، إذ لا يمكن أن يكون الخصم هو الحكم. في إيرلندا كانت هناك لجنة محايدة تحظى بثقة الطرفين، أما في غزة فلا يمكن الوثوق بوساطة إسرائيلية أو أمريكية مباشرة. من هنا، يمكن تصور آلية تشارك فيها أطراف عربية وأوروبية محايدة، تضمن التحقق دون إذلال، وتشرف على ترتيبات أمنية تدريجية. أما الدرس الثالث، فهو ربط الأمن بالكرامة الاقتصادية والاجتماعية. المقاتلون لا يتركون السلاح في فراغ؛ بل يحتاجون إلى بدائل تحافظ على مكانتهم المعيشية ودورهم الوطني. وهذا يعني خططًا لإعادة دمجهم في مؤسسات الأمن الوطني، أو برامج عمل وتنمية تعيد بناء الثقة بين السلطة والمجتمع في غزة.
ورابع الدروس يتمثل في إصلاح الأجهزة الأمنية. فنجاح نزع السلاح في أي مكان مرتبط بوجود مؤسسة أمنية مهنية ومحايدة يشعر الجميع أنها تمثلهم. في غياب ذلك، يبقى الاحتفاظ بالسلاح «ضمانة أخلاقية» في وجه احتمالات الغدر أو الفوضى. لكن مع كل ما سبق، تبقى الفروق بين التجربتين عميقة. فالصراع في إيرلندا كان داخليًا بين مكونات تعيش تحت سيادة دولة قائمة، بينما في فلسطين ما زال الشعب يواجه احتلالًا استيطانيًا يفرض سيطرته على الأرض والمعابر والسماء.
لذلك، لا يمكن مقارنة مقاومة تسعى لإنهاء استعمار قائم بحركة سياسية داخل دولة ذات مؤسسات وسيادة. ومع ذلك، تبقى روح التجربة الإيرلندية ملهمة. فهي تذكّرنا بأن الانتقال من السلاح إلى السياسة لا يعني الانكسار، بل النضج. وأن الكرامة الوطنية يمكن أن تُصان أيضًا من خلال مشروع وطني جامع يوازن بين المقاومة والحكم، ويُعيد تعريف القوة لتصبح بناءً لا تدميرًا، وشراكة لا مغالبة. خلاصة القول لا يمكن فرض نزع سلاح حماس قبل بناء رؤية وطنية شاملة تضمن شراكة عادلة في القرار الفلسطيني، وضمانات عربية ودولية تحترم حقوق الشعب. أمّا تحويل تجربة إيرلندا الشمالية إلى نموذج، فليس في نقل تفاصيلها، بل في استلهام روحها التصالحية القائمة على الحوار والثقة والكرامة. فحين تُحترم الكرامة، يمكن للسلاح أن يغادر الساحة دون أن يشعر حامله بأنه خسر شرف المقاومة، بل أنه عبر بها إلى مرحلة الدولة.




