ثقافة وفن

مهاد الرؤيا: دراسة تؤسّس للبحث في ميادين الفينومينولوجيا

صدر عن دار أجيال الرقمي للنشر والتوزيع بالجزائر، كتابٌ بعنوان “مهاد الرؤيا.. غواية التأويل وانفلات الدال للإعلان عنه” للباحث د. عبد القادر فيدوح.

ويمثل هذا المصنف الفكري أطروحة تأسيسية في ميادين الفينومينولوجيا والتأويل المعاصر، حيث يتجاوز المألوف النقدي بتركيزه على الرصد الأثري لما قبل النص، من خلال تتبع المسارات الوجودية والمعرفية التي تتشكل عبرها الرؤيا الإبداعية في مهدها السديمي الأول. فالخطاب الفلسفي المعتمد هنا ينزاح عن تفكيك المنتج الإبداعي في صيغته النهائية المستقرة، ليمارس حفرًا جيو-معرفيًا في البنية الأنطولوجية العميقة التي تسبق انبثاق اللفظ والشكل والعبارة. إن مفهوم “المهاد” يتخذ دلالة فلسفية تتجاوز الفهم المكاني الضيق لتصبح مرادفة للفضاء الوجودي الخام، تلك المنطقة البينية التي تلتقي فيها النبضات اللاشعورية بالحدوس المتشظية، وحيث الكينونة لم تتصلب بعد في قوالب المنطق الصوري أو المحددات السيميائية الجاهزة. هذا التوجه النقدي يجعل من كشف بداءة المعنى مغامرة تأويلية تروم التموضع في لحظة السيولة والتدفق، حيث الإشارات الإبداعية أشبه بسديم كوني يمتلك طاقة الاحتمال القصوى لكنه يفتقر إلى الوضوح الدلالي المستقر، مما يمنح الرؤيا كثافة وجودية لا يمكن الإحاطة بها عبر أدوات التفسير الميكانيكية التقليدية.

وينبثق هذا التحليل من منطلق إبستمولوجي جذري يقرر أن الشك ليس ريبة معرفية عارضة أو عجزًا نفسيًا عن الحيازة، بل هو علة الوجود الإبداعي وصيغته الأنطولوجية الأسمى التي تحمي الوعي من السقوط في وثنية اليقين العقيم. فالاهتزاز الداخلي الذي يصيب المبدع يمثل الخلخلة الضرورية التي تخلع عن العالم قناعه المألوف وعاداته الإدراكية المستقرة، لتعيد وضعه في حالة مساءلة دائمة تتأبى على التنميط والتدجين. إن المغامرة في المجهول الوجودي، انطلاقاً من هذه الدينامية، تصبح كشفًا عن البنى غير المفكر فيها، وحيث الكاتب لا يستعيد ذاكرة مكررة أو معرفة سابقة، بل يؤسس لتاريخية جديدة للوعي تبدأ من نقطة التمرد الإيجابي على السائد والمشاع. هذه الزعزعة الخلاقة هي التي تعيد صياغة شروط الرؤية، وتجعل الفعل الإبداعي انخراطًا واعيًا في القلق الوجودي الذي يرى في استقرار المعنى موتًا له، وفي حركته المستمرة تجسيدًا لديمومة الكينونة ورفضها الانغلاق والتحجر.

ويتكثف هذا المنظور الفلسفي بالانتقال نحو حقول التحليل النفسي والظاهراتية عبر تفكيك أبعاد الكمون البدئي، حيث يتوقف اللاوعي عن كونه مخبأً مظلمًا للعقود والمكبوتات الشخصية، ليغدو الفضاء الحيوي الأكثر اتساعًا لإنتاج الإشارات الكونية والرموز السائلة التي تسبق تنظيم الخطاب. إن العملية الإبداعية تتجلى هنا كجدلية مستمرة ومتوترة بين الحضور الكثيف لليقظة والغياب المراوغ لللاشعور، في تداخل لا يقبل الفصل بين المنطق العقلي الصارم والانفلات الدلالي اللامنطقي. هذا التفاعل المركب بين ما ينجح الوعي في الاستيلاء عليه وتدوينه وبين ما يستعصي أصلًا على التطويع اللغوي ويظل متمنعًا في عتمة الداخل، هو الذي يمنح النص هيبته المعرفية العميقة. فالرؤيا الإبداعية تتولد في هذه الفجوة الوجودية بالذات، أي في المسافة الفاصلة بين رغبة التعبير الملحّة واستحالة الإحاطة الكاملة بالمعنى الحبيس، لتصبح الكتابة صياغة مستمرة لتوتر الذات الممزقة بين نطق يتطلع للاكتمال وصمت يتشبث باللامتناهي.

وفي هذا المدار، تلتقي الأطروحة مع البنيوية التفكيكية والتحليل اللاكاني Jacques Lacan لتعيد بناء العلامة اللغوية من خلال فرضية استقلال الدال وتحرره من الوظيفة الإحالية المباشرة نحو المدلول الثابت والمتحجر.

وتتعمق المرجعية الفلسفية للكتاب عبر حوار معرفي متشابك وشديد الكثافة مع الفينومينولوجيا الهوسرلية Edmund Husserl   في بحثها عن الجوهر والوعي الخالص، والتحليل النفسي اللاكاني في قوله بسيادة الدال وانفصاله عن المركز، واللسانيات السوسيرية في تمييزها البنيوي بين مكونات العلامة. غير أن هذا الحوار الغربي المعاصر لا ينعزل عن التدفق الروحي والميتافيزيقي للعرفان الصوفي، حيث يتم استدعاء آليات الكشف الإشراقي والتأويل الباطني لإضاءة التجربة الإبداعية بوصفها مقاماً من مقامات التجلي الروحي والمعرفي الذي يتجاوز آليات العقل الأدواتي الضيق.

وتتجلى النتيجة الجوهرية لهذا المسار الفكري في إعلان عدم اكتمال النص الأدبي عند لحظة الفراغ من تدوينه الفيزيائي، ذلك أن المعنى لا يستقر في الكلمات استقرارًا نهائيًا، بل يظل كامنًا كطاقة حركية تنتظر لحظة الاصطدام بوعي القارئ لتنبعث من جديد. هذا التحول يسقط التصور الكلاسيكي الذي ينظر إلى المتلقي بوصفه مستهلكًا سلبيًا ومستودعًا لتلقي الرسائل الجاهزة، ويرفعه إلى رتبة الشريك الفعلي والصانع المشارك في هندسة البنية الدلالية للنص. فكل قراءة جديدة لا تعد مجرد كشف عن طبقة مخبوءة، بل هي ولادة كينونية حقيقية، وإضافة معمارية تعيد تشكيل تضاريس النص وتجدد دماءه عبر صيرورة الزمن وتحولات الثقافة والتاريخ. إن النص، وفق هذا المنظور، كائن يعيش بالامتداد والتبدل، وينجو من الموت التاريخي عبر قدرته الفائقة على الانبعاث والتموضع في سياقات إنسانية وحضارية متجددة على الدوام.

وتتويجًا لهذه المقاربة، يمكن القول إن العمل يؤسس لفلسفة متكاملة للرؤيا الإبداعية تعيد تعريف الفاعلية الجمالية برمتها، جاعلة من الكتابة حدثًا أنطولوجيًا يربك سكونية الوجود ويفتح مغاليقه أمام اللانهائي. فالرؤيا تتأصل في القلق الكينوني الخلاق وتتغذى على مياه الشك والكمون الصامت، لتصبح اللغة أفُقًا لتوليد الكينونة وإنتاج المعنى لا وعاءً لنقله أو ترجمته. هذا المنظور التأويلي يحول النص إلى حدث فكري مفتوح على المستقبل، ويجعل من القراءة فعلاً وجودياً معرفياً لا ينتهي، ومن الدلالة كائناً متحولاً ومراوغاً يرفض الإقامة في حقيقة منغلقة، ليظل يغري الوعي البشري بمواصلة السفر والارتحال في عوالم الغواية والانفلات.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى