العالم
من مطالب معيشية إلى مواجهة أمنية شاملة: إيران في مواجهة الجزء الثاني من حرب 12 يوما

طهران: تقرير خاص
شهدت إيران، خلال الفترة الممتدة من أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى منتصف يناير/كانون الثاني 2026، موجة احتجاجات متدرجة، بدأت بمطالب اقتصادية ومعيشية، قبل أن تتطور لاحقًا إلى أحداث عنف مسلح، انتهت بإعلان السلطات السيطرة الكاملة على الأوضاع، وعودة الاستقرار إلى مختلف أنحاء البلاد.
بداية اقتصادية وحوار حكومي
وانطلقت الاحتجاجات الأولى يوم 28 ديسمبر/كانون الأول 2025، على خلفية تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف المعيشة، حيث خرجت تجمعات محدودة في الأسواق والقطاعات المهنية، اتسمت في مجملها بالطابع السلمي. وأقرت الحكومة الإيرانية بحق الاحتجاج السلمي، وفتحت قنوات حوار مباشرة مع ممثلي المتعاملين الاقتصاديين والتجار، جرى خلالها الاستماع إلى مطالب المحتجين، وإقرار عدد من الإجراءات، شملت تعديلات في السياسات النقدية والمالية.
ووفق مصادر رسمية، أسهم هذا المسار الحواري في تخفيف حدة التوتر خلال الأيام الأولى، وتحول جزء كبير من الاحتجاجات إلى نقاشات مباشرة بين القطاعات المهنية والجهات الحكومية.
وتعود الأسباب الرئيسة لهذه الاضطرابات والاحتجاجات، إلى ضغط العقوبات الأمريكية على الشعب الإيراني، وكذا الحرب النفسية التي شنتها القوى الغربية، بقصد ممارسة الضغط على الشارع الإيراني.
تصاعد التوتر وانحراف المسار
ورغم الإجراءات الحكومية، دخلت الاحتجاجات مرحلة ثانية مطلع يناير/كانون الثاني 2026، حيث سجلت بعض المدن مظاهرات خرجت عن طابعها السلمي، وتخللتها أعمال تخريب واعتداء على الممتلكات العامة، والخاصة، وسط اتهامات رسمية بوجود محاولات خارجية لاستغلال المطالب الاقتصادية.
وتفيد تقاريرنا أن “قوات حفظ الأمن تعاملت مع الأوضاع بأقصى درجات ضبط النفس، وامتنعت عن استخدام السلاح”، لمنع أي اعتداء على الممتلكات العامة. وبوجه عام، فإن قوى الأمن الداخلي في إيران مجهزة بمعدات ضبط الشغب الحضري، ولا تحمل أسلحة بيضاء أو نارية. وتزامن ذلك مع تصعيد سياسي وإعلامي خارجي، شمل تصريحات أمريكية حادة تجاه إيران، اعتبرتها طهران تدخلًا في شؤونها الداخلية.
أحداث عنف مسلح
وبين 8 و10 يناير/كانون الثاني، شهدت البلاد أخطر مراحل الأحداث، مع تسلل مجموعات مسلحة ومنظمة إلى بعض التجمعات، استخدمت أسلحة نارية وبيضاء، واستهدفت قوات الأمن ومرافق عامة وخاصة. وأعلنت السلطات تعرض مراكز شرطة، وبنوك، ومساجد، وسيارات إسعاف وإطفاء، إلى هجمات مباشرة، إضافة إلى سقوط قتلى من عناصر الأمن والمواطنين، وتفيد تقارير الطبي الشرعي ارتكاب الإرهابيين جرائم مروعة، من بينها قطع الرؤوس، وإحراق عناصر الشرطة أحياء، وصنّفت الجهات الرسمية هذه الأعمال ضمن “أعمال إرهابية حضرية”، مؤكدة أنها لا تمت بصلة إلى الاحتجاجات المدنية السلمية.
الحسم الأمني والحشد الشعبي
ابتداءً من 10 يناير/كانون الثاني، دخلت القوات الأمنية والنظامية بكامل تشكيلاتها إلى الميدان، بهدف حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم، وملاحقة العناصر الإرهابية، فتمت السيطرة الكاملة على الأوضاع.
وفي 12 يناير، خرجت مسيرات حاشدة في عدد من المدن، دعمًا للحكومة، بالإضافة الى مشاركتهم في مراسم تشييع جثامين شهداء الأمن الى مثواهم الأخير، معلنين دعمهم الكامل للحكومة والنظام، ومعربين عن إدانتهم لأعمال الشغب والتخريب، ورفضهم للتدخلات الأجنبية، ومطالبة بمحاسبة المتورطين.
اتهامات بتدخل خارجي
وأكدت السلطات الإيرانية، استنادًا إلى اعترافات موقوفين ووثائق مصورة، أن مجموعات مسلحة تلقت دعمًا وتوجيهًا من جهات خارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، معتبرة ما جرى امتدادًا لمحاولات سابقة لزعزعة الاستقرار الداخلي للبلاد.
وأعلنت الأجهزة الأمنية ضبط أكثر من 1300 قطعة سلاح، واكتشاف عشرات الخلايا التنظيمية في عدة مدن.
وأوضحت الحكومة أن قطع خدمة الإنترنت تزامن مع بدء العمليات المسلحة، وليس خلال مرحلة الاحتجاجات السلمية، في إطار إجراءات وصفتها بـ”الوقائية”، بهدف تعطيل قنوات التنسيق بين المجموعات المسلحة وداعميها في الخارج. ومنذ 10 يناير/كانون الثاني 2026، ساد الهدوء مختلف المناطق الإيرانية، وأعلنت السلطات انتهاء ما وصفته بـ”أكبر عملية عنف حضري” شهدتها البلاد، مع استمرار التحقيقات والإجراءات القضائية بحق المتورطين.
الموقف الرسمي
وفي أحدث تصريحاته، أكد وزير الخارجية الإيراني، أن بلاده لا تسعى إلى الحرب، لكنها “مستعدة لها”، مشددًا في الوقت ذاته على انفتاح إيران على التفاوض العادل القائم على الاحترام المتبادل، دون تهديد أو ضغوط. عودة الهدوء.




