من أداة تعليمية إلى نموذج معرفي: إعادة النظر في دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي بالجزائر

البروفيسور: محمد خوجة -أستاذ التعليم العالي-
تقدم مساهمة الأستاذ المميز كامل بداري، المنشورة في صحيفة “لو سوار دألجيري” بتاريخ 22 جوان 2026، تحت عنوانٍ لافتٍ “بين البديهية والفرص والتحديات”، لمحةً كاشفةً عن الموقف الخطابي السائد في بعض التصريحات الرسمية، لا سيما فيما يتعلق بدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي.
يسعى هذا المقال، الذي أعده المسؤول الأول على قطاع التعليم العالي، إلى تحقيق هدفين: تشخيص التحول الجاري، ورسم رؤية مستقبلية لنظام التعليم الجامعي الجزائري. يتسم هذا المقال بتفاؤل تكنولوجي ممزوج بإدراكٍ للمخاطر، ويندرج ضمن سياقٍ يُمكن وصفه بالتحديث التكنوقراطي: فهو لا يُركز على الذكاء الاصطناعي كموضوعٍ للبحث النقدي ،بقدر ما يُركز على أفقٍ حتميٍّ يجب علينا التكيف معه، بدلاً من التساؤل عنه كبناءٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ ومعرفي.
من هذا المنظور، فإن التحليل الذي نقترحه ليس دحضًا شاملا ولا تأييدًا فاترًا. بل يهدف إلى التشكيك في الافتراضات النظرية التي يقوم عليها طرح البروفيسور بداري، وتحديد مواطن قصوره، ومن ثمّ رسم مسارٍ بديلٍ يُغيّر محور النقاش. هذا المسار البديل سيُغيّر محور النقاش: من التكيف التكنولوجي إلى السيادة المعرفية، ومن مجرد التنافسية الدولية إلى إنتاج المعرفة السياقية، ومن التوظيف الأداتي إلى تطوير الذكاء النقدي. سيستخدم هذا التحليل إطارًا من علم اجتماع الابتكار، ويعتمد على مرجعية علم اجتماع المنظمات، بالإضافة إلى نقد المدرسة ما بعد الكولونيالية للتكنولوجيا، مع إجراء مقارنات دولية بشكل منهجي، لوضع تأكيدات المؤلف في سياقها وتقييم أهميتها.
من الأهمية بمكان توضيح أن هذا التحليل المقترح لا يهدف إلى انتقاد المساهمات السابقة في النقاش، ولا إلى التقليل من الدور الحاسم الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في التحولات المعاصرة للتعليم العالي. بل إن المسألة، من بعض النواحي، أكثر جذرية: إذ تهدف إلى إظهار أن غياب التنظير النقدي للتكنولوجيا، لا يُمثل شكلاً من أشكال الحياد بل موقفاً سياسياً ضمنياً يُضفي طابعاً إعتيادي على النظام التكنولوجي القائم ويُخفي علاقات القوة فيه. وهذا التطبيع هو ما نقترح تفكيكه على ثلاث مراحل: أولاً، من خلال تحديد العيوب المعرفية في الاستدلال (الحتمية التكنولوجية، والخلط بين الأداة والنموذج، وغياب السياق الاجتماعي والاقتصادي)؛ ثانياً، من خلال الكشف عن اختلالات القوة العالمية التي يتجاهلها المقال؛ وأخيراً، من خلال رسم ملامح رؤية بديلة قائمة على السيادة المعرفية، والحوكمة الديمقراطية للخوارزميات، والتحرر المعرفي.
أولا: ملخص حجة المقال
في مقاله، يتبنى البروفيسور كامل بداري موقفاً متفائلاً إلى حد ما تجاه التكنولوجيا. يتمحور تحليله حول ثلاثة محاور رئيسية. أولًا، محور “الوضوح”: يُطرح الذكاء الاصطناعي كأفق لا مفر منه للتعليم العالي، بإمكانه إحداث تحول جذري في النماذج التربوية ومنهجيات البحث. ثانيًا، محور “الفرص”: التعلم الشخصي، والمهارات الهجينة، وظهور نموذج تعليمي جديد ،يُقدّم على أنه أكثر تركيزًا على الإنسان، والتوقع بتعزيز القدرة التنافسية الوطنية في المجالين الأكاديمي والاقتصادي. أخيرًا، محور “التحديات”: حماية البيانات، والاعتماد على التكنولوجيا، والتحيزات الخوارزمية، وخطر “التصحر المعرفي”، والحاجة إلى تكييف شامل للمناهج والمؤسسات. في ختام هذا التحليل، يقدم المؤلف خلاصة يمكن تلخيصها على النحو التالي: يُمثل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة وتحديًا هيكليًا في آنٍ واحد للتعليم العالي الجزائري. ينبغي معالجة هذه الازدواجية من خلال إصلاحات طموحة ولكن حذرة.
ثانيا. تحليل نقدي: عيوب معرفية وقيود هيكلية
- حتمية تكنولوجية مشكوك فيها
يميل مقال البروفيسور بداري إلى تصوير الذكاء الاصطناعي، كقوة شبه مستقلة “تُحوّل” أو “تُحدث ثورة” أو “تفرض” تغييرات على الجامعات. يعتمد هذا الخطاب على حتمية تكنولوجية كلاسيكية، تم تفكيكها إلى حد كبير منذ أعمال لانغدون وينر، وبشكل أوسع، دراسات العلوم والتكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي ليس جهة محايدة ،ولا كيانًا خارجيًا يفرض نفسه على المؤسسات، بل هو نتاج خيارات سياسية واقتصادية وثقافية ظرفية، مدفوعة بشركات ودول وأطر معيارية محددة. بالشكل الذي يُضفي منحى طبيعيي على التكنولوجيا، كما لو أنها تتبع منطقها الخاص الذي لا يملك الفاعلون خيارًا سوى التكيف معه. يتم تجاهل السؤال المحوري للحوكمة: من يقرر ماذا، ولمن، ووفقًا لأي قيم؟
يُبرز إجراء مقارنة دولية هذا الضعف. حيث تتبنى كوريا الجنوبية استراتيجية لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي منذ منتصف العقد الحالي. وتعتمد هذه الاستراتيجية على هيكل حوكمة واضح، يمنح الجامعات سلطة تشاورية حقيقية. وهذا يختلف عن النهج الذي طرحه البروفيسور باداري. فعلى سبيل المثال، أنشأ المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST) لجانًا لأخلاقيات الخوارزميات على مستوى الكليات لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، لا سيما في التقييم، وتوصيات المحتوى، وإدارة البيانات، ولمنع إخضاع القرارات التعليمية تدريجيًا للمنطق التقني البحت.
في المقابل، ووفقًا للجدول الذي أعدّه البروفيسور بداري، تُقدّم الجزائر حاليًا مجموعةً واسعةً من البرامج، منها 74 برنامج ماجستير في الذكاء الاصطناعي موزّعة على 52 جامعة. مع ذلك، لم يُشر إلى وجود هياكل حوكمة لامركزية مماثلة. يُشكّل هذا التناقض بين ديناميكية المناهج الدراسية، وضعف الآليات التنظيمية ثغرةً جوهريةً في حجّته.
- غياب السياق الاجتماعي والاقتصادي
علاوةً على ذلك، يتضمن المقال بكثرة مفهومي “قابلية التوظيف” و”التنافسية” دون دراسةٍ مُعمّقةٍ للواقع العملي لسوق العمل الجزائري. يتميّز الاقتصاد الوطني بالهيمنة التي يضطلع بها القطاع العام في التوظيف الرسمي، وبمركزية قطاع النفط والغاز في الاستحواذ على الموارد التكنولوجية والمالية. في هذه الحالة، يُؤدّي الاعتماد المُفرط على تدريب الذكاء الاصطناعي وما يُسمّى بالبرامج “المتقدّمة” في التعليم العالي، دون تحوّلٍ في النسيج الإنتاجي، ودون بيئةٍ حاضنةٍ للابتكار في القطاع الخاص، حتمًا إلى خطر الإفراط الهيكلي في التأهيل. يتضح ذلك من خلال حقيقة أن الخريجين ذوي الكفاءات العالية، يُدرَّبون لسوق عمل لا يستطيع استيعاب مهاراتهم. هذه الظاهرة موثقة على نطاق واسع في العديد من الاقتصادات الريعية في الخليج.
مرة أخرى، يُشير المنظور الدولي إلى رؤية أكثر دقة للسرد المطروح. فقد سعت الهند، التي غالبًا ما يستشهد بها كمثال على التقدم التكنولوجي، إلى مواءمة إصلاحات الجامعات مع هيكلة سوق عمل رقمي خاص، من خلال مبادرات مثل المؤسسات الناشئة” Startup India و”ديجيتال إنديا” Digital India ، رابطةً بذلك سياسات التدريب ودعم ريادة الأعمال التكنولوجية وجاذبية الاستثمار. أما الجزائر، فلم تُنشئ بعد مؤسسات وسيطة فعّالة لربط الجامعات بالقطاع الإنتاجي، على الرغم من الميزانيات الضخمة المخصصة للتعليم. وبينما يُلبي الإعلان عن عشرات الآلاف من “ضمانات الوظائف” في قطاعي التعليم والرعاية الصحية احتياجات اجتماعية حقيقية، إلا أنه في جوهره مسألة توظيف حكومي وإدارة توظيف القطاع العام. وبالتالي، لا يعكس استراتيجية للابتكار الاقتصادي. فمثل هذه الاستراتيجية تُركز على إنشاء صناعات وخدمات متخصصة قائمة على الذكاء الاصطناعي. من خلال تجاهل هذه القيود الهيكلية، يميل مقال البروفيسور بداري إلى فرض وظيفة التكيف التكنولوجي على الجامعة، والتي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال إعادة تشكيل أعمق لنموذج التنمية.
- الخلط بين الذكاء الاصطناعي كأداة والذكاء الاصطناعي كنموذج
يتأرجح نص مقال البروفيسور بداري باستمرار بين مفهومين مختلفين تمامًا، دون أن يكلف نفسه عناء التمييز بينهما بدقة. فمن جهة، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة: أداة لتوجيه الطلاب الجامعيين (على سبيل المثال، يُبرز معدل توظيف بنسبة 97% لعام 2025)، ولتخصيص التعلم، وإدارة العمليات الإدارية، وتحسين الإجراءات. ومن جهة أخرى، يُستحضر كنموذج: مبدأ للتحول المعرفي للتخصصات، ووسيلة لتهجين المعرفة، وعامل في إعادة تعريف معايير العلم نفسها.
هذا الخلط غير المُناقش ليس محايدًا فكريًا. لإن تبني الذكاء الاصطناعي كأداة ضمن إطار تعليمي ثابت كالتعلّم القائم على المحاضرات، والتقييم المعياري، والتسلسل الهرمي الأكاديمي التقليدي ، لا يُحدث “ثورة” في النظام على الإطلاق، بل يندرج تحت ما يُسميه كلايتون إم. كريستنسن Clayton M. Christensen “الابتكار الهامشي”: طبقة تقنية تُضاف إلى نظام أكاديمي مستقر، دون أي تعديل جوهري في علاقات القوة أو أشكال إنتاج المعرفة. أما التغيير الجذري الحقيقي، فيتطلب تحدي علاقات القوة هذه. و يستلزم إعادة النظر في أشكال التقييم (بما في ذلك طرق “مراجعة الأقران الخوارزمية” المحتملة)، وطمس الحدود الجامدة بين التدريس والبحث، وإعادة التفكير في تجزئة الشهادات، وإعادة النظر في وضع الطالب كمتلقٍ سلبي. ويُعد نموذج مشروع مينيرفا Minerva ، الذي طُبّق لأول مرة في الولايات المتحدة قبل أن يُعمّم على سياقات أخرى، ولا سيما كوريا الجنوبية، مثالًا قويًا على هذا التمييز. فمشروع مينيرفا لا يعتبر الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تعليمية تُضاف إلى نظام تقليدي؛ إنها تحولها إلى بنية تحتية معرفية حقيقية: حيث تقوم الخوارزميات بتحليل أنماط تفكير الطلاب في الوقت الفعلي أثناء الدروس عبر الإنترنت، وتقدم ملاحظات تكوينية دقيقة، وتنظم عملية التعلم.
ليست التكنولوجيا هي التي تتغلغل في الأشكال الموروثة للجامعة، بل المؤسسة الجامعية هي التي تعيد تشكيل نفسها حول القدرات المعرفية التي تتيحها هذه الأدوات. وبسبب إغفاله توضيح هذه النقطة، يوحي مقال البروفيسور بداري بتحول جذري، بينما هو في الواقع لا يصف سوى دمج نفعي للذكاء الاصطناعي ضمن إطار عمل لم يتغير.
– 4. إخفاء اختلالات موازين القوى العالمية
يشير البروفيسور بداري إلى “التبعية التكنولوجية”، دون الخوض في الآثار الهيكلية لهذه التبعية في مجال الذكاء الاصطناعي. ضف الى ذلك، كونه يعتمد النظام البيئي الحالي للذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي يتراوح بين نماذج اللغة واسعة النطاق ومنصات الاستدلال، وعلى بنية تحتية للأجهزة (مراكز الحوسبة، ووحدات معالجة الرسومات المتخصصة GPU)، ومجموعات بيانات تدريبية ضخمة تهيمن عليها اللغة الإنجليزية، وأطر نظرية (المناهج البايزية، والبنى الترابطية) نابعة من هيمنة تكنولوجية علمية، تتركز إلى حد كبير في الولايات المتحدة والصين. في هذا السياق، لا تشارك دول مثل الجزائر كفاعلين في سلسلة قيمة الذكاء الاصطناعي، بل كمستخدمين هامشيين، على أطرافها. إن دمج الذكاء الاصطناعي في الجامعات الجزائرية دون استراتيجية واضحة للسيادة التكنولوجية، يُكرّس بأشكال جديدة، تقسيمًا دوليًا للعمل الفكري: إنتاج البنى والمعايير والنماذج في المراكز، واستخدامها النفعي المتأخر في الأطراف. ولكي تكون استراتيجية السيادة هذه ممكنة، من الضروري، على الأقل، تطوير نماذج لغوية مُكيّفة مع اللغات الوطنية (العربية والأمازيغية) وإنشاء مجموعات بيانات داخلية للتدريب. ومن الضروري أيضًا إنشاء بنى تحتية حاسوبية وطنية، وسياسات لحوكمة البيانات على المستوى الوطني.
وقد بدأت بعض القوى المتوسطة في اتباع هذا المسار: ففرنسا، على سبيل المثال، تحاول تقليل اعتمادها من خلال تطوير نماذج لغوية مفتوحة باللغة الفرنسية، والاستثمار في الحواسيب العملاقة الوطنية، وبالتالي ربط السياسة اللغوية والسياسة العلمية والاستراتيجية الرقمية. في المقابل، تظل الاستراتيجية الجزائرية، كما يتضح من مقال البروفيسور بداري، غير ثابتة في جوهرها. فهي تُقدّر استخدام الأدوات المستوردة، لكنها لا تتناول مسألة سيادتها الخوارزمية أو اللغوية. إن عدم طرحها لهذه المسألة بحد ذاته يُعدّ قصوراً جوهرياً في إطارها التحليلي.
- مأزق “الإنسانية” التكنولوجية السطحية
عندما يخلص البروفيسور بداري إلى أن “الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسانية”، فإنه يتبنى خطابًا إنسانيًا يرافق كل موجة من موجات الأتمتة. الحجة مألوفة: الحواسيب تُحرر الأساتذة ليُكرسوا أنفسهم بشكل كامل للأبعاد التربوية؛ والذكاء الاصطناعي، من جانبه، يُحرر الطلاب للإبداع والتفكير النقدي. مع ذلك، تُقدم البحوث التجريبية حول التقنيات التعليمية صورة أكثر غموضًا: فالانتشار الواسع للتعليم بمساعدة الحاسوب غالبًا ما أدى إلى تراجع مهارات التدريس، من خلال توحيد المحتوى، وتقليص وقت التحضير المستقل، وزيادة سيطرة الإدارة على ممارسات التدريس.
هذا يعني أن الخطاب الإنساني غالبًا ما يُخفي عمليات الترشيد والتقييد داخل العمل الأكاديمي.
كما يتجاهل نص البروفيسور بداري سؤالًا جوهريًا: وهو إمكانية التراجع عن الخيارات التكنولوجية. بمجرد انتشار بنى الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع – منصات التوجيه، وأنظمة التقييم الآلي، وبيئات التعلم التكيفية – ستصبح تكاليف التخلي عنها باهظة للغاية، سواءً كانت مالية أو تنظيمية أو رمزية. في اقتصاديات الابتكار، يُشار إلى ذلك بظاهرة التقييد التكنولوجي: فالمسار المُختار يُقيّد الإمكانيات ويجعل أي تغيير أو تحول جذري في النموذج التعليمي أمرًا بالغ الصعوبة. إن هذا التوجيه الجامعي الخوارزمي، الذي يُقدّم على أنه ناجح بفضل مؤشرات الرضا (على سبيل المثال، حصول 70% من الطلاب على أحد خياراتهم الثلاثة الأولى)، يُرسّخ في الواقع منطقًا معياريًا للغاية للتصنيف. فهو يُفضّل المسارات الخطية، ويُعاقب على تغيير المسار المهني في وقت متأخر، والتغييرات الوظيفية، والمسارات التي لا تتوافق مع النماذج التنبؤية، ويميل إلى تقليل عنصر الصدفة والتجربة والخطأ، والمسارات الجانبية التي تُساهم أيضًا في إثراء المسيرة الأكاديمية.
من خلال إغفال معالجة عدم إمكانية التراجع عن الخيارات، وتأثيرها على الاداء التدريسي، وتوحيد المسارات التعليمية، يعكس مقال البروفيسور بداري مقاربة سطحية للنزعة الإنسانية التكنولوجية. يؤكد هذا النهج الأخير على مركزية الإنسان دون فحص التحولات الملموسة في علاقات القوة، وممارسات التدريس، ومسارات الطلاب التي يميل الذكاء الاصطناعي، في تصميمه وحوكمته الحالية إلى إحداثها.
ثالثًا: نحو رؤية أخرى: التفكير في الذكاء الاصطناعي كقضية سياسية ومعرفية
- إعادة النظر في الذكاء الاصطناعي: من موضوع بديهي إلى موضوع للنقد
بدلًا من قبول دمج الذكاء الاصطناعي في الجامعة كأمر مسلم به، يجب أن يتحول الى موضوعً حقيقي للنقاش والنقد المؤسسي. وهذا يعني أنه لا ينبغي للجامعة تدريس الذكاء الاصطناعي أو استخدامه فحسب، بل يجب عليها أيضًا جعله موضوعًا للبحث: من يصممه، وبأي بيانات، وما هي الافتراضات المسبقة، وما هي الآثار المتباينة على الفئات الاجتماعية وأنماط المعرفة؟ عمليًا، يتطلب ذلك إنشاء كراسي علمية ومختبرات متخصصة في علم اجتماع الخوارزميات والبيانات، مع التركيز بشكل خاص على السياق الجزائري؛ وإلزام جميع أعضاء هيئة التدريس والبحث، بالخضوع لتدريب في أخلاقيات البيانات وسياسات البنى التحتية الرقمية؛ وإنشاء مرصد وطني للتحيز الخوارزمي في التعليم العالي، يتمتع باستقلالية تامة عن السلطات الرقابية. عندها سيصبح الذكاء الاصطناعي موضوعًا للدراسة النقدية في حد ذاته، وليس مجرد مبدأ إداري جديد.
- السيادة المعرفية: ما هو أبعد من السيادة التكنولوجية الأساسية
لا يمكن إختزال السيادة إلى مجرد السيطرة على البنية التحتية أو البرمجيات، بل تشمل أيضاً القدرة على إنتاج فئات فكرية خاصة. من هذا المنطلق، ترى الجزائر أن استثمارها في الذكاء الاصطناعي يستلزم، من جهة، إنشاء قاعدة من الموارد التقنية، ومن جهة أخرى، إكتساب السيادة المعرفية. مما يستلزم إنشاء مجموعات بيانات محلية حقيقية، تشمل نصوصاً باللغة العربية، وبمختلف لهجات الأمازيغية، فضلاً عن الفرنسية الجزائرية، بهدف تطوير نماذج لغوية قادرة على مراعاة الواقع اللغوي والثقافي المحلي.
كما يستلزم ذلك إنشاء بنى تحتية حاسوبية مشتركة على مستوى المغرب العربي وأفريقيا، مما يقلل الاعتماد على خدمات الحوسبة السحابية المُدارة من الخارج. لكن الأهم من ذلك، أنه ينطوي على تطوير نظرية معرفية نقدية للذكاء الاصطناعي، وهي نظرية تسمح لنا بالتساؤل عن الافتراضات المعرفية للنماذج السائدة (العقلانية الأداتية، والفردية المنهجية، وتجريد السياقات)، في ضوء التقاليد الفكرية العربية والأمازيغية والمتوسطية.
- إعادة النظر في قابلية التوظيف: من التكيف إلى القدرة على التحول
في الخطاب السائد، يُختزل مفهوم قابلية التوظيف عادةً إلى مجرد تطابق فوري بين مهارات الفرد ومتطلبات سوق العمل. أما النهج الأكثر طموحًا، والأكثر انسجامًا مع الرسالة التاريخية للجامعة، فيتمثل في إعتبار قابلية التوظيف تشمل القدرةً على الاستقلال المعرفي: القدرة على طرح المشكلات، والتحدي، وابتكار أطر عمل جديدة بدلًا من الانصياع للنماذج السائدة. ففي اقتصاد ريعي، ذي تنوع محدود ويعتمد بشكل كبير على الريع، لا يكمن التحدي في تدريب كوادر “قابلة للتكيف” لسوق غير مستقر، بل في دمج جهات فاعلة قادرة على المساهمة في تحويل هذا السوق نفسه: رواد أعمال ذوو اهتمام عام، ومهندسو سياسات عامة مبتكرة، ومنتجو سلع وخدمات متجذرة في الاحتياجات المحلية. لذا، يُعد الذكاء الاصطناعي أحد الأدوات لتوسيع نطاق الإمكانيات، وليس مجرد أداة محدودة للتكيف مع بيئة إجتماعية اقتصادية ثابتة.
- نحو حوكمة خوارزمية ديمقراطية
يُثير توجيه خريجي الثانويات بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي، والذي يُقدَّم غالبًا على أنه خطوة للأمام من حيث العدالة والكفاءة، تحديات ديمقراطية كبيرة. ولمنع هذه الأنظمة من أن تصبح صناديق سوداء تُدير مسارات الأفراد بصمت، من الضروري تطبيق مبادئ حوكمة صارمة عليها. ينبغي وضع ثلاثة متطلبات على الأقل: الشفافية، من خلال نشر ومناقشة معايير الترجيح التي تحكم خوارزميات التوظيف؛ وإمكانية الطعن، من خلال وجود هيئات مراجعة بشرية قادرة على إعادة النظر في القرارات الآلية ونقضها؛ وأخيرًا، إمكانية المراجعة، من خلال التقييم الدوري للآثار الجانبية (التجزئة التخصصية، وتعزيز الفوارق بين الجنسين، واتساع الفجوات بين المؤسسات) ،وإمكانية تعديل النماذج وفقًا لذلك. من شأن الحوكمة الخوارزمية الديمقراطية من هذا النوع أن تضع هذه الأدوات ضمن إطار المسؤولية الجماعية، بدلًا من السماح لها بالعمل كأجهزة تقنية محايدة ظاهريًا.
- الذكاء الاصطناعي كأداة لتحرير المعرفة من الاستعمار
في مقابل رؤية تركز بشكل شبه حصري على “التنافسية الدولية”، التي تُقاس بتصنيفات أكاديمية مصممة في أماكن أخرى، يمكن أن يتحول دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي الجزائري وسيلة لتحرير المعرفة من الهيمنة. والذي يتطلب تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي ليس للخضوع لمعايير التقييم المهيمنة، بل لتعميق إنتاج المعرفة الموضعية ، أي المعرفة المتجذرة في قضايا محددة كالصحراء والمغرب العربي وأفريقيا والبحر الأبيض المتوسط. يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لنمذجة النظم البيئية الصحراوية، وتحسين إستخدام الموارد المائية، والحفاظ على المعارف التقليدية وتعزيزها، وتحليل ديناميكيات التحضر والهجرة الإقليمية. إلا أن هذا التغيير يستلزم تجاوز منطق المقارنة المستمرة مع النماذج الأجنبية، والاعتراف بأن قيمة النظام الجامعي تُقاس أيضاً بقدرته على تسليط الضوء على واقع بيئته الخاصة. وبالتالي، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة أساسية، بل أصبح وسيلة لإعادة تشكيل علاقة الدولة بالمعرفة، سواءً فيما بينها أو مع العالم الخارجي.
في الختام، يكشف مقال البروفيسور كامل بداري عن كونه نموذجًا للتحديث التكنوقراطي، الذي بات يُهيمن على جزء كبير من الخطاب الوطني الرسمي حول الذكاء الاصطناعي. ويكمن قصوره الرئيسي في عجزه عن النظر إلى الذكاء الاصطناعي كصراع على السلطة، أي كمجال تتداخل فيه علاقات القوة بين المراكز والأطراف، وبين العالم الناطق بالإنجليزية وبقية العوالم اللغوية، وبين الدولة والمجتمع المدني، وبين قوى السوق ومتطلبات الصالح العام. فمن خلال تقديم الديناميكيات التكنولوجية كأمر واقع يجب علينا التكيف معه ببساطة، يتجاهل المقال أسئلة جوهرية تتعلق بالسيادة والحوكمة والعدالة المعرفية.
إن رؤية تحويلية حقيقية للذكاء الاصطناعي في التعليم العالي الجزائري، تتطلب أربع تحولات هيكلية على الأقل. أولًا، من الضروري تطوير تأصيل نظري نقدي للتكنولوجيا، الغائب إلى حد كبير عن الخطاب السائد اليوم، يسمح لنا بفهم الذكاء الاصطناعي كنظام اجتماعي تقني متجذر في سياقه، وليس كمفهوم مجرد محايد. بعد ذلك، يُعدّ تطبيق إستراتيجية السيادة المعرفية، التي تتجاوز بكثير مجرد إكتساب المهارات التقنية أو انتشار البرامج المتخصصة، أمرًا بالغ الأهمية.
كما يجب إعادة النظر ديمقراطيًا في أهداف الجامعة، بحيث تتجاوز مجرد التوظيف العملي، وتؤكد مجددًا على رسالتها في تعزيز الاستقلال الفكري، وإنتاج المعرفة المفيدة للمجتمع. وأخيرًا، ينبغي إضفاء الطابع المؤسسي على أشكال التنافس والرقابة، على الأنظمة الخوارزمية لمنع الانزلاق نحو تكنوقراطية مبهمة، حيث تُفلت القرارات الأكثر تأثيرًا من أي نقاش عام. تمتلك الجزائر الموارد البشرية، مع عشرات الآلاف من الطلاب في مجال الذكاء الاصطناعي والتخصصات ذات الصلة، والقدرة المالية اللازمة لإتمام هذا التحول بنجاح. ما ينقص، وما أغفله مقال البروفيسور بداري، هو مشروع سياسي حقيقي للذكاء الاصطناعي، بالمعنى الحقيقي للكلمة. لا يتعلق الأمر هنا بالذكاء كمجرد قدرة على التكيف مع بيئة تكنولوجية مفروضة، بل يتعلق بقوة العمل الجماعي، بالمعنى السبينوزي لـ”الإمكانات”، الموجهة نحو بناء مستقبل مشترك يُختار لا يُفرض. في ظل هذا الشرط فقط سيتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أفقًا تكنولوجيًا مجردًا، وسيصبح مسألة سيادة وعدالة وتحرر، داخل الجامعات الجزائرية وخارجها، وفي جميع أنحاء المجتمع ككل.




