العالم
مفاوضات سويسرا… صراع الإرادات بين الدبلوماسية والحرب

بقلم: شريف الهركلي
لم تعد المفاوضات التي تستضيفها سويسرا بين الولايات المتحدة وإيران مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تحولت إلى ساحة صراع موازية للحروب المشتعلة في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الحسابات النووية مع ملفات النفوذ الإقليمي والأمن القومي وموازين القوة الدولية.
وفي منطقة اعتادت أن تُدار أزماتها بمنطق القوة، أصبحت الصورة والرسالة الإعلامية والتسريب السياسي جزءًا من أدوات المعركة الحديثة، حتى باتت تفاصيل بروتوكولية، مثل التقاط صورة مشتركة بين الوفدين، تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز قيمتها الرمزية. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الرفض الإيراني لمثل هذه المشاهد السياسية الحساسة، إذ تسعى طهران إلى الحفاظ على توازن دقيق بين الانخراط في مسار التفاوض وعدم تقديم إشارات قد تُفسَّر داخليًا بأنها تراجع عن خطابها التقليدي في مواجهة الولايات المتحدة. فالمشهد الداخلي الإيراني ما زال يعيش حالة استنفار وطني وسياسي تجعل أي خطوة محسوبة بدقة متناهية.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذه المفاوضات بعين القلق أكثر من عين الرفض. فالسؤال المطروح داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية لا يتعلق بنجاح المفاوضات أو فشلها، بل بطبيعة النتائج التي قد تنتج عنها، وما إذا كانت ستقيد القدرات الإيرانية أم ستمنح طهران مساحة زمنية جديدة لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية. وتكشف القراءة المتأنية للصحافة الإسرائيلية عن وجود انقسام واضح بين تيارين؛ الأول أمني براغماتي يرى أن التفاهمات المقيدة أفضل من الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، والثاني عقائدي متشدد يعتقد أن إيران تستخدم الدبلوماسية كأداة لكسب الوقت وتعزيز حضورها الاستراتيجي.
كما برز الملف اللبناني بوصفه أحد أهم الملفات المرتبطة بالمفاوضات، إلى جانب البرنامج النووي الإيراني، نتيجة استمرار التوترات العسكرية وتشابك المصالح الإقليمية. وهذا يعكس حقيقة أن قضايا المنطقة لم تعد منفصلة، بل أصبحت مترابطة بصورة تجعل أي اتفاق في ملف معين ينعكس تلقائيًا على ملفات أخرى. وفي الوقت ذاته، تبدو الولايات المتحدة أمام مهمة شديدة التعقيد، فهي تحاول احتواء احتمالات الانفجار الإقليمي، والحفاظ على تحالفاتها التقليدية، ومنع تحول الأزمات المتفرقة إلى حرب واسعة النطاق يصعب التحكم بمآلاتها.
وفي العمق، لا تدور المعركة اليوم حول اتفاق سياسي فحسب، بل حول إعادة صياغة شكل النظام الإقليمي بأكمله. فالأطراف كافة تدرك أن ما بعد هذه المفاوضات قد لا يشبه ما قبلها، وأن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة تعاد فيها هندسة النفوذ والتحالفات وموازين الردع.
وفي النهاية، لم يعد السؤال: هل ستنجح المفاوضات؟ بل أي شرق أوسط سينتج عنها؟ لأن المنطقة لم تعد تحتمل اتفاقات مؤقتة تؤجل الانفجار، بل تحتاج إلى مقاربات سياسية تعالج جذور الأزمات وتؤسس لتوازن أكثر استقرارًا. فالدبلوماسية الناجحة لا تُقاس بعدد الجلسات أو الصور الملتقطة، بل بقدرتها على تحويل الصراع من حالة اشتعال دائم إلى حالة يمكن التحكم بها سياسيًا وأمنيًا.




