معركة النظام الإقليمي الجديد: إيران وأمريكا بين التفاوض وفرض الوقائع الميدانية

طهران: علي الموسوي
إذا كانت جولات التفاوض في مراحلها السابقة، بين إيران والولايات المتحدة، تدور حول الملف النووي والعقوبات الاقتصادية، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى انتقال الصراع إلى مستوى أعمق يتعلق بإعادة صياغة قواعد الردع في الخليج والشرق الأوسط.
فبعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط العسكرية والاقتصادية، يبدو أن القيادة الإيرانية تسعى إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن أي محاولة لعزل إيران أو محاصرتها لن تبقى محصورة داخل حدودها، بل ستنعكس على البيئة الإقليمية المحيطة بأكملها.
ومن هنا برزت خلال الأشهر الأخيرة نقاشات داخل مراكز الدراسات الغربية والإقليمية حول ما يمكن وصفه بـ”العقيدة الإيرانية الجديدة للردع الإقليمي”.
المبدأ الأول: نقل كلفة المواجهة إلى البيئة الإقليمية
يرى عدد من المراقبين، أن إحدى النتائج الرئيسية للتطورات الأخيرة تتمثل في انتقال إيران من سياسة الدفاع عن النفس، إلى سياسة توسيع دائرة الكلفة الاستراتيجية.
وخلال العقود الماضية كان التركيز الإيراني منصباً على الرد المباشر أو غير المباشر على الولايات المتحدة وإسرائيل عبر أدوات متعددة داخل المنطقة.
أما اليوم فإن بعض التحليلات تذهب إلى أن طهران تسعى إلى إيصال رسالة مختلفة:
إذا تحولت أراضي أو قواعد أو منشآت أي دولة إلى منصة للمشاركة في حصار إيران أو في عمليات عسكرية ضدها، فإن تلك الدولة قد تصبح جزءاً من ساحة المواجهة.
ولا يتعلق الأمر هنا فقط بالقواعد العسكرية الأمريكية، بل أيضاً بالبنية التحتية اللوجستية والموانئ ومنشآت الطاقة، وخطوط الملاحة، التي يمكن أن تستخدم في أي جهد يهدف إلى فرض حصار بحري أو اقتصادي على إيران.
ومن منظور إيراني، فإن أي محاولة لإغلاق المجال البحري أو خنق الاقتصاد الإيراني يجب أن تترتب عليها تكلفة إقليمية تجعل الأطراف الأخرى تعيد حساباتها.
مضيق هرمز: قلب المعادلة الجديدة
ظل مضيق هرمز لعقود أحد أهم أوراق القوة الإيرانية. فما يقرب من خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الممر البحري الحيوي.
وفي كل مرة تتصاعد فيها التوترات بين واشنطن وطهران، يعود اسم المضيق إلى الواجهة بوصفه نقطة الضعف الرئيسية للاقتصاد العالمي.
لكن الجديد في التطورات الأخيرة هو أن النقاش لم يعد يقتصر على قدرة إيران على تعطيل الملاحة، بل على قدرتها على فرض معادلة ردع أوسع تشمل الدول المشاركة في أي ترتيبات أمنية أو بحرية معادية لها.
وبحسب هذا التصور، فإن حماية حرية الملاحة في الخليج لم تعد قضية تقنية أو بحرية فقط، بل أصبحت جزءاً من صراع جيوسياسي أوسع على موازين القوة في المنطقة.
المبدأ الثاني: فرض نظام جيوسياسي جديد
المبدأ الثاني الذي يتحدث عنه بعض الباحثين يرتبط بفكرة أكثر طموحاً، فطهران لا ترى نفسها مجرد دولة تدافع عن حدودها، بل قوة إقليمية تسعى إلى التأثير في هندسة التوازنات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم مواقفها في ملفات:
لبنان.
العراق.
سوريا.
الخليج.
البحر الأحمر.
فالهدف لم يعد يقتصر على منع الهجمات ضد إيران، بل يتجاوز ذلك إلى فرض حدود معينة على سلوك الخصوم ومنعهم من اتخاذ خطوات تعتبرها طهران تهديداً مباشراً لمصالحها.
وهنا تظهر فكرة “إدارة سلوك الخصم” التي أصبحت تتكرر في الأدبيات الأمنية الإيرانية.
فبدلاً من انتظار الهجوم ثم الرد عليه، تسعى إيران إلى خلق بيئة تجعل الخصوم يعيدون حساباتهم قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للمفاوضات؟
إذا صح هذا التقدير، فإن المفاوضات الجارية لم تعد مجرد مفاوضات نووية، بل أصبحت مفاوضات حول الاعتراف بقواعد اشتباك جديدة.
فالولايات المتحدة لا تزال تنظر إلى الملف من زاوية منع الانتشار النووي وحماية أمن حلفائها.
أما إيران فتسعى إلى انتزاع اعتراف ضمني بأنها أصبحت لاعباً إقليمياً يمتلك القدرة على التأثير في أمن الطاقة والملاحة والتوازنات العسكرية، ومن هنا يمكن فهم سبب تعثر المفاوضات.
فالخلاف لم يعد حول عدد أجهزة الطرد المركزي أو مستويات التخصيب فحسب، بل حول سؤال أكبر:
هل تقبل الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون بإيران كقوة إقليمية قادرة على فرض معادلات ردع خاصة بها؟
الوساطة الباكستانية في هذا السياق
ضمن هذا المشهد تكتسب الرسائل التي يحملها المسؤولون الباكستانيون أهمية خاصة، فإسلام آباد تدرك أن أي انهيار كامل للمفاوضات قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي يصعب التحكم في نتائجها.
ولهذا تبدو الوساطة الباكستانية محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الحوار بين الطرفين، في لحظة تشهد انتقالاً من التفاوض حول الملف النووي إلى التفاوض حول شكل النظام الأمني في الخليج والشرق الأوسط، حسب عدد من المتابعين.
التحول الأهم في المشهد الحالي لا يتمثل في حجم التخصيب النووي أو عدد العقوبات الجديدة، بل في بروز تصور إيراني يرى أن أمن إيران لا يبدأ من حدودها الجغرافية فقط، بل من قدرتها على التأثير في الحسابات الاستراتيجية للدول الأخرى.
وفي ضوء هذا التصور، يعتقد بعض المحللين أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الأساسي ليس “الاتفاق النووي”، بل “إعادة تعريف قواعد الردع الإقليمي”، وفي هذه المرحلة تحاول طهران تحويل ما تعتبره مكاسب عسكرية وتكنولوجية وسياسية، إلى معادلات دائمة تحكم سلوك خصومها، بينما تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى منع تشكل نظام إقليمي جديد تكون إيران أحد مهندسيه الرئيسيين.
هذه القراءة تبقى تحليلاً لاتجاهات مطروحة في الأوساط السياسية والإعلامية، وليست وصفاً لسياسات معلنة أو مؤكدة من جميع الأطراف، لكنها تساعد على فهم سبب تعقّد المفاوضات الحالية وتجاوزها الإطار النووي التقليدي إلى صراع أوسع على مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.




